Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 253

Contributors:

P.253
البراءة به إذ لا يتوقف أداء الواجب على تعيين ما يحصل به لوضوح حصول الامتثال بحكم العرف بل العقل بأدائه على الوجه المفروض قطعا فإن مقصود الأمر حصول واحد من تلك الأفعال وقد حصل ذلك فلا وجه لعدم سقوط التكليف به فإن قلت كما أن كلا من الأفعال المفروضة متصف بالوجوب التخييري وإن كان ما يمنع من تركه بالمرة هو أحدها كما مر فكذا ينبغي أن يكون كل واحد من تلك الأفعال أداء للواجب التخييري ويكون كل منها متصف بالوجوب على الوجه المذكور وإن كان ما يمنع من تركه هو أحدها أيضا وهذا هو مقصود علامة رحمه الله من اتصاف الجميع بالوجوب قلت اتصاف أفعال عديدة بالوجوب التخييري نظرا إلى تعلق الخطاب بها على سبيل التخيير بينها مما لا مانع منه حسبما عرفت وأما اتصاف أفعال متعددة بكونها أداء للواجب على وجه التخيير بينها فمما لا يمكن تصوره إذ لا يتصور التخيير بين الأمور الواقعة غاية الأمر أن يعتبر الترديد بدلا عن التخيير ومع ترديد الواجب بينها لا يمكن الحكم إلا بوجوب أحدها إذ لا معنى بوجوب الكل على وجه الترديد والحاصل أن يقال إيجاب أفعال عديدة على سبيل التخيير بينها أنما يقضي بحصول ذلك التكليف بأداء واحد منها لا غير فلا وجه للحكم بوجوب ما يزيد عليه بل ولا الحكم بمشروعية ما يزيد على ذلك حسبما عرفت فلا وجه للقول باتصاف الجميع بالوجوب على الوجه المذكور بل ليس أداء الواجب إلا بأحدها الدائر بينها ولو عبر عن مجرد صلوح كل واحد منها لأدائه الواجب باتصافه بالوجوب فذلك مع كونه بحثا لفظيا لا محصل له مما لا يساعده الاصطلاح والإطلاقات هذا ويمكن أن يقال إنه مع أفضلية تلك الأفعال وزيادة ثوابه يستحق تلك الزيادة نظرا إلى إتيانه بما يوجبه ومع استحقاقه أجر الأكثر يكون أداء الواجب أيضا إذ لولاه لما استحق أجره وكان هذا هو الوجه فيما ذكره السيد ويشكل أنه كما أتي بالأكثر ثوابا فقد أتي بالأقل ثوابا ونسبة الواجب إليهما على نحو سواء ومجرد زيادة الثواب لا يقضي بالترجيح حتى ينصرف أداء الواجب إليه ويمكن دفعه بأنه لما قرر الشارع مزيد الأجر على بعض تلك الأفعال وقد أتي المكلف به قضى ذلك باستحقاقه تلك الزيادة وليس الإتيان بالأقل ثوابا نافيا لاستحقاقه الأكثر غاية الأمر أنه لا يقضي باستحقاق الزائد فلا معارضة بين الأمرين وفيه أنه لا يستحق ثواب الأكثر إلا مع حصول الامتثال به وكونه أداء للواجب وقد عرفت أن نسبة ذلك إلى الفعلين على وجه واحد فكيف يحكم بأداء الواجب بخصوص الأول دون الثاني حتى يثبت له ثوابه نعم لو قيل بحصول الامتثال بالجمع مع ترتب ثواب واحد على تلك الأفعال كما أنه يقال بترتب عقاب واحد على ترك الجميع أمكن القول بذلك لحصول الامتثال بما ثوابه أكثر فلا بد من ترتب تلك الزيادة عليه إلا أنك قد عرفت أن القول به بعيد هذا إذا كان إتيانه بالجميع سابقا وأما إذا لم يكن سائغا فإما أن يكون الواجب المفروض عبادة أو غيرها فإن كان عبادة ولم تفد مشروعيتها سوى الأمر المفروض ليكون الإتيان بما يزيد على واحد منها بدعة محرمة أو دل الدليل على مشروعيتها مطلقا لكن أريد من الإتيان بالجميع امتثال الأمر المفروض ليندرج في البدعة من تلك الجهة حسبما عرفت فهل يحكم إذن بصحة أحدها وفساد الباقي لقيام مقتضي الصحة بالنسبة إليه دون غيره أو أنه يحكم بفساد الجميع من جهة النهي المتعلق به على الوجه المذكور القاضي بفساد العبادة ولا يمكن قصد التقرب بشيء منها حينئذ الظاهر الأخير سيما إذا نوى امتثال المجموع وإن كان من غير العبادات جرى الظاهر فيه الوجهان واحتمال الصحة هنا متجه إذ التحريم يتعلق بالنيّة وما يزيد على الواحد من الأفعال المفروضة فلا مانع من أداء الواجب الواحد منها وفيه إشكال وأما سقوط الواجب فيما يكون المقصود مجرد حصول الفعل كإزالة النجاسات فمما لا يبقى الريب فيه

رابعها أنه هل يتعين الواجب التخييري بالشروع في أحدها

وجهان أحدهما أنه لا يتعين ذلك بل التخيير على حاله حتى يسقط التكليف المفروض فلو شرع في أحدهما جاز له العدول إلى الآخر استصحابا لما ثبت إلى أن يسقط التكليف بأدائه ثانيهما التعيين بذلك حيث إنه مخيّر في اختيار أيهما شاء فإذا اختار أحدهما زال التخيير ولأن جواز العدول بعد الشروع في الفعل يتوقف على قيام الدليل عليه ولا دليل عليه في المقام ويرد على الأول أنه كان مخيرا في الإتيان بأيّهما شاء فما لم يأت فالتخيير على حاله كما هو ظاهر اللفظ ولو سلم احتماله ودوران الحال فيه بين الوجهين فاستصحاب بقاء التخيير الثابت قاض بالأول وعلى الثاني أن ما عرفت من الدليل كاف في الدلالة على الجواز وهنا وجه ثالث وهو التفصيل بين ما إذا سقط بعض التكليف بأداء البعض ويكون سقوطه متوقفا على إتمام الفعل فعلى الأول لا يجوز العدول إذ القدر الثابت من التخييرين تمام الفعلين دون تمام أحدهما والبعض من الآخر فتعين عليه إتمام الأول وعلى الثاني يجوز العدول لبقاء الأمر على حاله قبل إتمام الأول هذا كله إذا لم يكن هناك مانع من العدول كما إذا كان إبطال الأول محرما كما في التخيير بين الظهر والجمعة فإنه بعد شروعه في أحدهما يحرم عليه إبطاله ليتلبس بالآخر فيتعين عليه الإكمال نعم لو ارتكب الحرام وأبطل العمل كان بالخيار بينهما ومن ذلك في وجه تخيير المولى بين دفع العبد الجاني إلى المجني عليه وافتدائه ببذل أرش الجناية فيما إذا بنى على الافتداء ودفع بعض الأرش فأراد الرجوع إليه ودفع العبد فإنه ينافي تملك المجنى عليه للمدفوع إليه وثبوت الخيار له في الردّ خلاف الأصل

خامسها أنه إذا وقع التخيير في الواجب بين الأقل والأكثر في أصل الشرع

كما لو ورد التخيير في الركعتين الأخيرتين بين أداء التسبيحات الأربع مرة أو ثلاثا أو ورود التخيير في بعض منزوحات البئر بين الأربعين والخمسين أو ثبت التخيير بحكم العقل كما إذا تعلق الأمر بطبيعة وأمكن أداؤها في ضمن الأقل والأكثر كما إذا وجب عليه التصدق الصادق بتصدق درهم أو درهمين أو ثلاثة مثلا وإذا وجب عليه المسح المتحقق بمسح إصبع أو إصبعين أو ثلاثة وهكذا فهل يتصف الزائد بالوجوب ليكون التخيير على حقيقته أو لا فيه أقوال أحدها اتصاف الجميع بالوجوب أخذا بمقتضى ظاهر اللفظ إذ كل من الناقص والزائد قسم من الواجب ثانيها اتصاف الزائد بالاستحباب مطلقا نظرا إلى جواز تركه لا إلى بدل ثالثها التفصيل بين ما إذا كان حصول المشتمل على الزيادة دفعة وما إذا كان تدريجيا بأن حصل الناقص أولا ثم حصل القدر الزائد فإن كان حصول الفعل المشتمل على الزيادة دفعيا اتصف الكل بالوجوب لأداء الواجب به ولقضاء ظاهر الأمر بوجوبه وإن كان حصول الناقص لا غير لأداء الواجب به فيسقط الوجوب وحينئذ فإن صرح الأمر بالتخيير بين الأقل والأكثر اتصفت الزيادة بالاستحباب نظرا إلى مطلوبية الزائد في الجملة وجواز ترك الزيادة لا إلى بدل وأما في التخيير العقلي فيسقط الوجوب بالأول ويبقى مشروعية الزيادة متوقفة على قيام الدليل عليه