Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 165

Contributors:

P.165
المغايرة بين الوجوب والندب المأخوذ صفة للفعل والملحوظ جهته لإيقاعه فقد يتوافق الوجهان كما إذا لاحظ في المقام امتثال الأمر الوجوبي فقد أدى الفعل المتصف بالوجوب من جهة وجوبه ولو لاحظ امتثال الأمر الندبي اختلف الوجهان لاتصاف الفعل واقعا بالوجوب وأدائه على جهة الندب لإتيانه به بملاحظة أمر النادب خاصة فإن قلت إن الأمر الإيجابي المتعلق بالفعل قاض بإنشاء وجوبه كما أن الأمر الندبي قاض بإنشاء ندبه فيلزم اجتماع الحكمين المفروضين فكيف يتصور تعلق الأمرين به مع المنع من اجتماع الحكمين المتفرعين عليهما قلت قد عرفت أن مدلول الأمر الإيجابي أو الندبي ليس إنشاء الطلب الخاص الحاصل بعنوان الحتم أو عدمه وأما وجوب الفعل بحسب الواقع أو ندبه فهو مما يلزم من الطلب المفروض في صوره وظاهر أن الإنشاء بين المفروضين لا مدافعة بينهما بوجه لوضوح أن الإنشاء طلب الفعل لبعض الجهات على وجه غير مانع من النقيض لا ينافي إنشاء طلبه بإنشاء آخر على وجه مانع منه من جهة أخرى والذي يتراءى التدافع فيه إنما هو بالنسبة إلى ما يتفرع على الإنشائين المذكورين من الحكم فإنه إذا كان الأمر ممن تعبد بقوله ويجب طاعته عقلا أو شرعا يتفرع على إنشائه الأول وجوب الفعل بالمعنى المصطلح أعني رجحانه على نحو لا يذم تاركه فيلزم إذن توارد السلب والإيجاب على مورد واحد ويدفعه أنه ليس مقتضى إنشائه الطلب الندبي عدم المنع من الترك مطلقا وإنما مقتضاه عدم حصول المنع من الترك بذلك الطلب لعدم بلوغ الطلب هناك إلى حد الإلزام والمنع من الترك فلا مانع ما لو حصل هناك رجحان آخر للفعل بالغ إلى حد المنع من الترك فإذا حصل الالتزام والمنع من الترك فلا مانع بطلب آخر ومن جهة أخرى لم يزاحم ذلك لما عرفت من عدم اقتضاء في الطلب المذكور وعدمه وحينئذ يتصف الفعل بالوجوب من دون معارضة الأمر الندبي له فيكون الصفة الثابتة للفعل بحسب الواقع هو الوجوب خاصة وأما الندب فإنما يثبت له مع قطع النظر عن الجهة الموجبة وهو فرض مخالف للواقع إذ المفروض حصول تلك الجهة بخلاف الوجوب فإنه يثبت له مع ملاحظة الجهة النادبة أيضا لما عرفت من عدم المنافاة بين ثبوت المنع من الترك من جهة قيام مقتضيه وانتفاء المنع من الترك بمقتضى ذلك الأمر المقتضي للندب فاتضح بذلك عدم المنافاة بين الأمرين المفروضين المتعلقين بذلك الفعل لا من جهة أنفسهما لتوهم اقتضاء أحدهما المنع من الترك والآخر جوازه لما عرفت من أن اقتضاء الجواز ليس مطلقا بل بالنسبة إلى ذلك الطلب الخاص ولا من جهة ما يلزمهما من الحكمين لما عرفت من عدم لزوم الاستحباب للطلب الندبي إذ قد ينضم إلى ذلك ما يفضي إلى وجوبه كما هو المفروض في المقام فأقصى الأمر حصول الجهة النادبة في الفعل وهو غير حصول الندب بالفعل ليزاحم الوجوب وربما يجعل المقام من قبيل اجتماع الحكمين أعني الوجوب والندب من جهتين بناء على الاكتفاء باختلاف الجهة في ذلك حسبما يجيء الإشارة إليه في محله ويندفع بذلك المنافاة المذكورة أيضا إلا أنه موهون بما سنفصّل القول فيه من بيان فساده والحاصل أن مفاد الوجوب هو رجحان الفعل البالغ إلى حد المنع من الترك بعد ملاحظة جميع جهاته والندب رجحانه الغير البالغ إليه كذلك ولا يعقل رجحانه الغير البالغ إليه كذلك إمكان بلوغ رجحان الفعل إلى الحد المذكور على الوجه المفروض وعدم بلوغه إليه بحسب الواقع نعم لو فسر الوجوب والندب ببلوغ الفعل إلى أحد الحدين المذكورين نظرا إلى بعض الجهات وإن حصل هناك ما يزاحمه أمكن الاجتماع باختلاف الجهات إلا أن التفسير المذكور خارج عن الاصطلاح وليس من محل الكلام الواقع في جواز اجتماع الأحكام وعدمه إذ جواز الاجتماع على الوجه المذكور مما لا مجال لإنكاره إذ لا يتصور مانع أصلا هذا واعلم أن الأوامر الغير المتعلقة بمفهوم واحد من قبيل المذكور إذ ليس المقصود من كل من التكاليف المذكورة إلا إيجاد مطلق الطبيعة لأجل التوصل إلى ذلك الغير الحاصل بإيجاد فرد منها فلو كانت هناك غايات عديدة يتعلق الأمر بها من جهة كل واحد منها تأدت تلك الواجبات بأداء تلك الطبيعة مرة وكذا لو كانت بعضها واجبة وبعضها مندوبة سواء أتى به المكلف بملاحظة جميع تلك الواجبات الجهات أو أتى به لخصوص الجهة الموجبة أو النادبة وكذا الحال لو كان واحد من تلك التكاليف أمرا نفسيا والباقي غيريا ومن ذلك يعرف الحال في الوضوء عند تعدد غاياتها مع وجوب الجميع أو استحبابها أو اختلافها فيصح الإتيان بها بملاحظة جميع تلك الجهات وبعض منها ومع قطع النظر عن ملاحظة خصوص شيء منها إذا علم حصول الجهة الراجحة في الجملة وأتى به من حيث رجحانه مع عدم ملاحظة الخصوصية ومع كون واحد من تلك الجهات موجبة يتصف الفعل بالوجوب وإن كان الباقي نادبة ولو أتى به بملاحظة الجهة النادبة خاصة فقد أتى بالواجب لا من جهة وجوبه بل من الجهة المرجحة له بما دون الوجوب حسبما مر بيانه ويجري ما ذكرناه في المندوبات بالمنذورة إذا لم نشترط في أداء المنذور ملاحظة جهة النذر كما هو قضية إطلاق المنذور فإنه إذا أتى به مع الغفلة عن تعلق النذر به فقد أتى بما يجب عليه لا من جهة وجوبه بل لندبه في نفسه فيكون امتثالا للأمر الندبي وأداء للواجب بالنسبة إلى المنذور وهكذا الحال في نظائر ما ذكرناه ثانيها أن يتعلق أمران أو الأوامر بمفهوم واحد مع كونه قابلا للتكرار من غير أن يعلم كون المقصود مجرد الإتيان بالطبيعة على سبيل الإطلاق وحينئذ فهل يكون تعدد الأوامر القاضية بتعدد التكليف قاضيا بتعدد المكلف به أيضا ليتوقف امتثال الأمرين أو الأوامر على تكرار الفعل على حسب الأمر فلا يكون الإتيان بها مرة كافيا في أداء تلك التكاليف وجهان بل قولان وهذه المسألة وإن لم يعنونوا له بحثا في الكتب الأصولية لكن يستفاد الخلاف فيه بملاحظة ما ذكروه في خلاف تداخل الأسباب في الغسل وما احتجوا به على التداخل وعدمه في ذلك المقام والظاهر كون تعدد التكليف حينئذ قاضيا بتعدد المكلف به فلا يحصل البراءة من الجميع إلا بتكرار إيجاد الطبيعة على حسب الأمر وظاهر فهم العرف حينئذ أقوى دليل عليه ولا فرق حينئذ بين ما إذا علم أسباب تلك التكاليف أو لم يعلم شيء منها أو علم السبب في بعضها دون البعض وما إذا علم اتحاد أسبابها أو اختلافها وإن كان الحكم في صورة تعدد الأسباب أظهر فالأصل مع تعدد التكليف عدم تداخل التكاليف في الأداء إلا أن يدل دليل على الاكتفاء به وهذا الأصل كما عرفت من الأصول المستندة إلى اللفظ بحسب فهم العرف حيث إن المفهوم من الأوامر بعد ضم بعضها إلى البعض