Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 141

Contributors:

P.141
في الشرع لخصوص الوجوب قوله وذهب السيد المرتضى إلى أنها مشتركة بين الوجوب والندب وقد تبعه فيما فصله السيد بن زهرة وقد ذهب إلى اشتراكه لفظا بين المعنيين جماعة وهم لم يفصلوا بين اللغة والشرع قوله وتوقف في ذلك قوم فلم يدروا أنها للوجوب أو الندب وقد حكى بعض عن الأشعري والقاضي أبي بكر وبنى عليه الآمدي في الأحكام وحكاه عن الأشعري ومن تابعه كالقاضي أبي بكر والغزالي إلا أن ظاهر كلامه بملاحظة سابقه هو التوقف بين الوجوب والإرشاد وربما يعزى إلى جماعة التوقف بين كونها للوجوب أو الندب أولهما اشتراكا لفظيا أو للقدر الجامع بينهما ليكون مشتركا معنويا وعن البعض التوقف بين الأخيرين وعن بعض آخر التوقف بين الأحكام الخمسة فهي موضوعة لواحد من الأحكام لا نعلمه قوله وقيل إنها مشتركة بين ثلاثة أشياء قد حكي ذلك عن جماعة قوله وزعم قوم إلى آخره قد حكاه الحاجبي والعضدي عن الشيعة ولا أصل له إذ هو غير معروف بينهم ولا منسوب إلى أحد من فضلائهم فهو فرية عليهم أو كان مذهبا لبعض الشيعة من سائر فرقهم ممن لا يعتد بقوله عندهم وقد عزى الآمدي في الأحكام إلى الشيعة الاشتراك بين الوجوب والندب والإرشاد وهو أيضا غير معروف بين الأصحاب وقيل فيه أشياء أخر منها القول بأنها للإباحة خاصة حكاه في الأحكام ومنها القول بالاشتراك اللفظي بين الأحكام الخمسة ومنها القول بالاشتراك بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد والتعجيز والتكوين ومنها القول بالاشتراك بين الطلب والتهديد والتعجيز والإباحة إلى غير ذلك مما يقف عليه التتبع في كلماتهم ولا جدوى في التعرض لها لندورها ووضوح فسادها وظاهر ما حكي من الاتفاق يدفعها قوله لنا إنا نقطع أن السيد إلى آخره هذه عمدة أدلة القائلين بوضعها للوجوب وهو استناد إلى التبادر وتقريره أن السيد إذا قال لعبده مع خلو المقام عن القرائن افعل فلم يفعل عد عاصيا وذمه العقلاء على ترك الفعل وهو معنى الوجوب وقد يورد عليه بوجوه منها أنه لو تبادر منه الوجوب لزم انتقال الذهن من الأمر إلى المنع من الترك وليس كذلك إذ قد لا يخطر الترك بالبال فضلا عن المنع عنه ويدفعه أن الوجوب معنى بسيط إجمالي يؤخذ فيه المنع من الترك عند التحليل العقلي فلا يلزم حينئذ تصور المنع من الترك عند تصور الوجوب إجمالا وذلك ظاهر من ملاحظة سائر المفاهيم الإجمالية المنحلة عند التفصيل إلى مفاهيم عديدة مضافا إلى أن المنع من الترك ليس جزءا من مفهوم الوجوب ولو عند التحليل بل هو من لوازمه حسبما يأتي الإشارة إليه ومنها المنع من خلو المقام الذي يفهم منه ذلك عن القرينة إذ الغالب في العرف قيام القرائن الحالية أو المقالية على ذلك وقد أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله لا يقال إلى آخره ويأتي الكلام في الجواب عنه ومنها أن الفهم المذكور قد يكون من جهة إيجاب الشرع طاعة السيد على العبد وإلزامه بامتثال أوامره أو من جهة قضاء العرف به ففرض وقوع الأمر من السيد بالنسبة إلى عبده قاض بذلك بملاحظة حكم الشرع أو العرف وأين ذلك من دلالة الصيغة بنفسها عليه ووهنه ظاهر فإن الشرع أو العرف إنما أوجب على العبد الإتيان بما أوجبه مولاه لا غير ذلك وإيجابه في المقام فرع دلالة الأمر ومنها أن العصيان بمعنى مخالفة الأمر لا يثبت كونه محرما إلا بعد دلالة الأمر على الوجوب ضرورة انتفاء الإثم فيها مع عدمها وأنه قد يقع الذم على ترك بعض المندوبات وارتكاب بعض المكروهات فلا اختصاص له بمخالفة المحرمة فلا يلزم من عده عاصيا وترتب الذم على تركه وجوب الفعل عليه وتحريم تركه وفيه أن العصيان لا يطلق عرفا إلا على فعل الحرام أو ترك الواجب وليس مخالفة مطلق الأمر عصيانا بل لا يطلق إلا على مخالفة الأمر الإيجابي فإذا عد مخالفة الأمر المطلق عصيانا كان مفيدا للإيجاب وأن الذم لا يتعلق بالمكلف من جهة ترك ما هو مندوب عند الذم وإنما يتعلق بترك الأمر اللازم أو بفعل المحرم وربما يرد على ترك المندوب لوم ولا يعد ذمّا ولذا عرفوا الواجب بما يلزم تاركه وورود الذم عرفا على ترك بعض المندوبات فإنما هو من جهة لزوم الإتيان به في العرف وعدم ارتضائهم بالإهمال فيه وإن جاز تركه بحسب الشرع ومنها أنه معارض بالصيغة المجردة عن القرينة الصادرة من مجهول الحال ممن لا يعلم وجوب طاعته بحسب الشرع أو العرف وعدمه فإن المأمور لا يعد عاصيا ولا يتعلق به ذم ولو كان حقيقة في الوجوب لزم ترتب الذم عليه وقد يجاب عنه بأن دلالة اللفظ لا يستلزم مطابقة مدلوله للواقع فغاية الأمر دلالة اللفظ عليه في المقام وهو لا يستلزم وجوبه ليتفرع عليه استحقاق الذم نعم لو علم وجوب طاعة الأمر من الخارج دل ذلك على مطابقة المدلول لما هو الواقع وترتب الذم على مخالفته ولذا فرضوا الكلام في المقام في أمر السيد لعبده وفيه أن ما ذكر إنما يتم في الإخبار وأما الإنشاء فإنما هو إيجاد لمدلوله في الخارج فلا يصح فيه ما ذكروه والحق في الجواب أنك قد عرفت أن ما وضع له الأمر هو الطلب الحتمي الذي لا يرضى الطالب معه بترك المطلوب ومن لوازمه كون الفعل بحيث يذم تاركه أو يعاقب عليه إذا صدر ممن يجب طاعته والمعنى المذكور حاصل في المقام وإنما لم يترتب عليه الذم من جهة الشك في وجوب الطاعة وإنما فرضوا في الاحتجاج صدور الأمر ممن يجب طاعته ليعلم من وجود اللازم المذكور الدال على حمل الصيغة على الطلب بالمعنى المفروض كونها حقيقة في ذلك ومنها أن غاية ما يفيده دلالة الصيغة الصادرة من العالي على الوجوب وأين ذلك من دلالة الصيغة عليه مطلقا كما هو ظاهر العنوان ويدفعه بناء على تعميم العنوان أنه إذا ثبت كون الصيغة حقيقة في الوجوب في الصورة المفروضة ثبت ذلك في غيرها أيضا بأصالة عدم تعدد الأوضاع أو من جهة ظهور عدم اختلاف معنى اللفظ باختلاف المتكلمين كما يظهر من استقراء سائر الألفاظ ومنها أن التبادر المذكور بعينه حاصل في لفظ الطلب وما بمعناه كما إذا قال العبد أطلب منك شراء اللحم أو أريد منك ذلك مع أنه لا كلام في كون الطلب أعم من الوجوب والندب فلو كان التبادر المذكور دليلا على الوضع للوجوب بالخصوص لجرى في ذلك مع أن من المعلوم خلافه والقول بأن قضية التبادر أن يكون الوجوب موضوعا له في المقامين إلا أنا خرجنا من ذلك فيما ذكر نظرا إلى قيام الدليل على وضعه للأعم فيبقى غيره تحت الأصل مدفوع بأن كون الأصل في التبادر مطلقا أن يكون دليلا على الوضع مما لا دليل عليه وإنما الدليل على الوضع هو التبادر المستند إلى نفس اللفظ فلا يصح الاستناد إلى التبادر في ثبوت الوضع إلا بعد ثبوت كون التبادر المفروض من ذلك القبيل علما أو ظنا وأما مع حصول الشك فلا وجه لدعوى الأصل فيه ولا أقل في المقام من الشك بعد ملاحظة ما قررناه فلا يتم الاستناد إليه ومنها أن التبادر إنما يكون دليلا على الوضع إذا كان الانصراف مستندا إلى نفس اللفظ دون ما إذا استند إلى أمر آخر