Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 116

Contributors:

P.116
ذلك من جهة تعدد الواضع وعدم إطلاق أحدهم على وضع الآخر ثم إن في القائلين بإمكانه من يمنع من وقوعه فيئول ما يرى من المشتركات إلى الحقيقة والمجاز أو غيره وهو تعسف ظاهر لا موجب له وفي القائلين بوقوعه من يذهب إلى وجوبه مستدلا بما وهنه بين بما مر نعم قد يقال بوجوبه بمعنى كونه مقتضى الحكمة لقضائها بوجود المحتملات في اللغة نظرا إلى مسيس الحاجة إليها في بعض الأحوال ولما فيه من فوائد أخر لفظية ومعنوية قوله إذا كان الجمع بين ما يستعمل فيه من المعاني ممكنا قيل أراد به أن يكون المعنيان مما يجتمعان في الإرادة بحسب استعمالات العرف فالمراد بغير الممكن ما لم يعهد الجمع بينهما في الإرادة كاستعمال الأمر في الوجوب والتهديد ولو بالنسبة إلى شخصين ولا يريد به ما يستحيل اجتماعهما عقلا إذ لا استحالة فيما ذكر وفيه أنه لا وجه حينئذ للحكم بعدم إمكان الاجتماع إذ عدم معهودية استعمالهم له في ذلك لا يقضي بالمنع منه مع وجود المصحح ومن البين أن كثيرا من المجازات مما لم يكن جارية في كلام العرب القديم ولا كانوا يعرفونها وإنما اخترعها المتأخرون بخيالاتهم كيف ولو بني على إخراج المتروكات عن محل البحث لم يبق هناك محل للنزاع لوضوح متروكية استعمال المشترك في معنييه من أصله إذ لم نجد شيئا من ذلك في الاستعمالات الدائرة ولو ورد من ذلك شيء محقق في كلماتهم لكان ذلك من أقوى أدلة المجوزين فلم لم يستند إليه أحد منهم في إثبات الجواز فلو قطعنا النظر عن ظهور عدم وروده في كلامهم فلا أقل من عدم تحقق الورود أيضا فلا يكون هناك موضع يعرف كونه من محل الخلاف ومع الغض عن ذلك فمتروكية الاستعمال لا يمنع من استعمال الحقائق والقول بكون الاستعمال المذكور حقيقة إما مطلقا أو في بعض الصور من الأقوال المعروفة في المسألة فلا وجه إذن لاعتبار عدم المتروكية في محل النزاع وقيل أراد به إخراج ما لا يمكن إرادتهما معا منه في إطلاق واحد كاستعمال صيغة الأمر في الوجوب والتهديد وكأنه أراد ذلك بالنسبة إلى شخص واحد وفعل واحد وزمان واحد نظرا إلى استحالة اجتماع الأمر والنهي كذلك هذا إذا قلنا باستحالة اجتماع الأمر والنهي بناء على كونه من قبيل التكليف المحال لا التكليف بالمحال كما قيل ولو قلنا بالثاني فلا مانع من نفس الاستعمال الذي هو محط الكلام في المقام غاية الأمر عدم وروده في كلام الحكيم وكذا الحال في استعمال اللفظ في الضدين مما لا يمكن تحققهما في الخارج كما في قولك هند في القرء إذا أردت به الطهر والحيض معا فإن عدم جواز الاستعمال حينئذ من جهة لزوم الكذب لا لمانع في اللفظ فلا مانع من جهة نفس الاستعمال الذي هو المنظور في المقام كيف ولو قيل بالمنع من الاستعمال لأجل ذلك يجري في استعمال سائر الألفاظ إذا لم يطابق مفادها الواقع ومن البين أن أحدا لا يقول به إذ لا مدخلية لمطابقة المدلول للواقع وعدمه في صحة الاستعمال بحسب اللغة وعدمها هذا إذا أراد بإمكان الجمع بينهما في الإرادة من جهة صحة اجتماع المعنيين بحسب الواقع وأما إذا أراد به صحة اجتماع الإرادتين بأنفسهما كما هو قضية ما ذكرناه أولا فله وجه إن تم ما ادعوه من الاستحالة إلا أن عدم قابلية المعنيين حينئذ للاجتماع ليس لمانع في نفس الاستعمال بل لعدم إمكان حصول الأمرين في أنفسهما ولو أديا بلفظين فليس المنع حينئذ من جهة اللغة ولا مدخلية لاجتماعهما في الإرادة من اللفظ الواحد فلا يكون للتقييد به كثير مدخلية في المقام وكان الأولى تفسير ذلك بما إذا كان المعنيان مما يختلفان في الأحكام اللفظية ولم يمكن اجتماعهما في الإرادة بحسب ما يلزمهما من التوابع المختلفة كما إذا كان اللفظ بالنظر إلى أحد المعنيين اسما وبالنظر إلى الآخر فعلا أو حرفا أو كان اللفظ بالنظر إلى أحد المعنيين مرفوعا وبالنظر إلى الآخر منصوبا أو مجرورا مع ظهور الإعراب فيه قوله ثم إن القائلين بالوقوع إلى آخره أقول قبل تحقيق المرام وتفصيل ما هو على الأقوال من النقض والإبرام لا بد من تبيين محل الكلام وتوضيح ما هو المقصود بالبحث في هذا المقام فنقول للمشترك على ما ذكروه إطلاقات أحدها أن يستعمل في كل من معنييه أو معانيه منفردا ولا كلام في جوازه ولا في كونه حقيقة وهو الشائع في استعماله ثانيها أن يستعمل في القدر المشترك بين معنييه أو معانيه كالأمر المستعمل في الطلب على القول باشتراكه لفظا بين الوجوب والندب ومنه إطلاقه على مفهوم المسمى بذلك اللفظ كإطلاق زيد على المسمى به حسبما ذكروه في مثنى الأعلام ولا تأمل في كون ذلك مغايرا لمعناه الموضوع له فيتبع جوازه وجود العلاقة المصحّحة للتجوز وليس مجرد كون ذلك قدرا مشتركا كافيا في صحة التجوز فما يظهر من بعض الأفاضل من صحة الاستعمال على النحو المذكور مطلقا كما ترى ثالثها أن يطلق على أحد المعنيين من غير تعيين وعزي إلى السكاكي أنه حقيقة فيه وحكي عنه أن المشترك كالقرء مثلا مدلوله أن لا يتجاوز الطهر والحيض غير مجموع بينهما يعنى أن مدلوله واحد من المعنيين غير معين فهذا مفهومه ما دام منتسبا إلى الوضعين لأنه المتبادر إلى الفهم والتبادر إلى الفهم من دلائل الحقيقة أقول إطلاق المشترك على أحد معنييه إما أن يكون باستعماله في مفهوم أحدهما أو في مصداقه وعلى الأول فكل من المعنيين ملحوظ في المقام إلا أنه مأخوذ قيدا فيما استعمل فيه أعني مفهوم الأحد فالقيد خارج عن المستعمل فيه والتقييد داخل فيه على نحو العمى فإنه العدم الخاص المضاف إلى البصر فليس خصوص كل من المعنيين مما استعمل اللفظ فيه وحينئذ فإما أن يراد به المفهوم الكلي الشامل لكل منهما ويراد به أحدهما على سبيل المجاز بأن يجعل آلة لملاحظة أحد ذينك المعنيين على سبيل الترديد والإجمال فيدور بينهما والفرق بين الوجهين أن الأول من قبيل المطلق فيحصل المطلوب الامتثال بكل منهما والثاني من قبيل المجمل فلا يتعين المكلف به إلا بعد البيان وعلى الثاني فإما أن يكون المستعمل فيه أحد المعنيين المفروضين على سبيل الإبهام والإجمال بحسب الواقع فلا يكون متعينا عند المتكلم ولا المخاطب أو يكون متعينا بحسب الواقع عند المتكلم إلا أنه يكون مبهما عند المخاطب نظرا إلى تعدد الوضع وعدم قيام القرينة على التعيين والأول باطل إذ استعمال اللفظ في المعنى أمر وجودي لا يصح أن يتعلق بالمبهم المحض كما في هذا الفرض إذ المفروض عدم استعماله واقعا في خصوص شيء من المعنيين وإلا لكان المستعمل فيه معينا بحسب الواقع ولا في مفهوم أحدهما الشامل لكل منهما كما هو المفروض فلا يتصور استعماله على النحو المذكور وكل من الوجوه الثلاثة الباقية مما يصح استعمال المشترك فيه وأنت خبير بأن الوجه الأخير هو الوجه الأول