وأيّهما حصل كان مجزيا . وهذا هو الأقوى .
لنا : نظير ما تقدّم في التكرار ،
من أنّ مدلول الأمر طلب حقيقة الفعل ، والفور والتراخي خارجان عنها ، وأنّ الفور والتراخي من صفات الفعل ، فلا دلالة له عليهما .
حجّة القول بالفور أمور ستّة :
الأوّل : أنّ السيّد إذا قال لعبده : اسقني ؛ فأخّر العبد السّقي من غير عذر ، عدّ عاصيا ، وذلك معلوم من العرف . ولولا إفادته الفور ، لم يعدّ عاصيا .
وأجيب عنه : بأنّ ذلك إنّما يفهم بالقرينة ؛ لأنّ العادة قاضية بأنّ طلب السّقي إنّما يكون عند الحاجة إليه عاجلا ، ومحلّ النزاع ما تكون الصيغة فيه مجرّدة .
الثاني : أنّه تعالى ذمّ إبليس لعنه اللّه ، على ترك السجود لآدم عليه السّلام ، بقوله سبحانه :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
( سورة الأعراف 12 ) ولو لم يكن الأمر للفور لم يتوجّه عليه الذمّ ، ولكان له أن يقول : إنّك لم تأمرني بالبدار ، وسوف أسجد .
والجواب : أنّ الذمّ باعتبار كون الأمر مقيّدا بوقت معيّن . ولم يأت بالفعل فيه . والدليل على التقييد قوله تعالى :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
( سورة الحجر - 29 )
الثالث : أنّه لو شرع التأخير لوجب أن يكون إلى وقت معيّن ، واللّازم منتف .
أمّا الملازمة ، فلأنّه لو لاه لكان إلى آخر أزمنة الامكان اتفاقا ، ولا يستقيم ؛ لأنّه غير معلوم ، والجهل به يستلزم التكليف بالمحال ؛ إذ يجب على المكلّف حينئذ أن لا يؤخّر الفعل عن وقته ، مع أنّه لا يعلم ذلك الوقت الذي كلّف بالمنع عن التأخير عنه .
وأمّا انتفاء اللّازم فلأنّه ليس في الأمر إشعار بتعيين الوقت ، ولا عليه دليل من خارج .
والجواب : من وجهين : أحدهما : النقض بما لو صرّح بجواز التأخير ؛ إذ لا نزاع في إمكانه . وثانيهما - أنّه إنّما يلزم تكليف المحال لو كان التأخير متعيّنا ،