إن القرء في أصل اللغة هو الانتقال من إحدى الحالتين إلى الأخرى فاستعمل في كل واحدة من الحالتين بعلاقة المجاورة . وكذلك « عسعس » هو الانتقال من النور إلى الظلمة أو العكس .
والحق ما ذكرناه من أن في اللغة العربية ألفاظا مشتركة بين معنيين متباينين ، وإن كان بينهما جامع فلا يستعمل الكلمة فيهما بعنوان الجامع ، بل بعنوان الخصوصية .
وبإزاء هؤلاء قوم أوجبوا الاشتراك في اللغة ، ومعنى الوجوب هاهنا ليس الوجوب الفلسفي أعنى وجوب الوجود الذاتي أو الغيري ، بل بمعنى اقتضاء المصلحة اللغوية .
قالوا : إن المعاني غير متناهية - كما ذكرنا نحن سابقا في باب أنه لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ - والألفاظ متناهية ، إذ هي مركبة من الحروف الثمانية والعشرين ، وأجابوا عنه بوجوه :
الأول لا نسلم أن المعاني غير متناهية وهو ضعيف .
الثاني أن المعاني غير متناهية ، لكن لسنا محتاجين إلى التعبير عن جميعها فإنا عاجزون عن تصور أمور غير متناهية فلا حاجة إلى اللفظ . وأيضا نتصور معاني لا حاجة لنا إلى التعبير عنها ، أو الحاجة إليها قليلة ، أو نكتفي في التعبير عنها بالتراكيب والإضافات ، فإن الألفاظ الموضوعة لمراتب العدد اثنا عشر لفظا ونعبر عن كل عدد نريد بالتركيب ، ونعبر عن كثير من الألوان والروائح بما تضاف إليه . ثم نقول : الحروف ثمانية وعشرون ، وإن فرضنا أن جميع كلمات العرب ثلاثية ، وأن الحرف الأول يحتمل الضم والفتح والكسر ، والحرف الثاني يحتمل أربعا هذه الحركات والسكون ، والحرف الآخر لا يتغير المعنى بتغير حركاته ، فيحتمل الحرف الأول أربعا وثمانين احتمالا حاصلة من ضرب الثلاثة في ثمانية وعشرين ،
المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه — صفحة 94
مساهمون: أبو الحسن الشعراني
ص٩٤