يفرقون في الرجوع إلى أهل الخبرة بين الحي والميت وبين المجنون والعاقل ، فكما يرجعون إلى قول الحي والعاقل ، كذلك يرجعون إلى ما صدر من الميت قبل موته ومن المجنون قبل جنونه . وهذا مما لا ينبغي الارتياب فيه ، بل كل من راجع بناء كل العقلاء في كيفية رجوعهم إلى أهل الخبرة يحكم ببداهة ذلك .
نعم فرق بنظرهم بين عروض الموت والجنون وبين تبدل الرأي ، فإنك ترى من نفسك انه لو زال رأي الخبير في فن الطبابة أو تقويم الأراضي وكشف له فساد رأيه السابق وتبدل بالآخر لا تأخذ برأيه السابق ، واما لو مات أو عرض له الجنون من دون ان يتبدل رأيه قبل ذلك نأخذ به ونعمل عليه . وهذا ديدن العقلاء طرا من دون شك وريبة .
حكم التعارض بين رأي المجتهد الميت ورأي المجتهد الحىّ
نعم إذا عارض قوله قول المجتهد الحي ، فإن كان أحدهما اعلم من آخر يأخذون بقوله معينا ، سواء كان هو الميت أو الحي ، واما عند التساوي فهم حاكمون بالتساقط ، كما تبين في المسألة السابقة وعند تأسيس الأصل الأولى في الخبرين المتعارضين ، فان حكم العقلاء في كل امارتين متعارضتين لا ترجيح لأحدهما على الأخرى عندهم هو التساقط .
وحينئذ يحتاج في الحكم بالتخيير أو تعين أحدهما إلى دليل آخر . واما الاجماع على التخيير عند التساوي فهو وارد مورد حياة المجتهدين فلا يشمل المقام . واما احتمال التساقط فمرتفع بالاجماع المركب ، فإنهم بين قائل بالتخيير وبين قائل بتعين قول الحي .
وكلاهما مشتركان في انه لا تساقط ، فيدور الامر بين التعيين والتخيير والمتيقن حجية قول الحي ، هذا مقتضى السيرة .
التمسك بالاستصحاب في المقام
واما الاستصحاب فتقريبه : تارة على القول بعدم الدليل على اعتبار بقاء الرأي ، وأخرى على القول باعتبار بقائه ، فان قلنا بعدم ثبوت الاعتبار فدعوى انه لا دليل عليه عدى ما يتوهم : من أن الاجماع على عدم جواز تقليد المجنون ونحوه كاشف عن اعتبار