ينسبق الذهن اليه ، فان الغالب ان الورع كان أشد ورعا في امر نقل الرواية والحكم المستند إلى الشارع ، بل الغالب ان من ليس ورعا في ساير أموره إذا وصلت النوبة إلى نقل الاحكام يراعى الاحتياط التام ، وحينئذ لا بأس بان يكون الترجيح بالأورع أيضا ترجيحا بكل من كان احتمال صدور روايته أقرب . وهكذا الكلام في الأفقه فان المراد من الفقيه ان كان ما اصطلح عندنا فلا ريب في ان من كان أفقه كان ادرى بالجهات الموجبة لقوة صدور الرواية ، فكان اخذه برواية وتركه الأخرى قرينة على أن صدورها كان أقوى بنظره وكان فيما تركه جهات من الضعف ، وحيث إن المفروض اوسعية باعه وأكثرية اطلاعه بذلك الجهات كان ما اخذه أقرب إلى الواقع وابعد عن الخطأ بالنظر .
وأوضح من ذلك هو انه ان كان المراد بالفقيه الفقيه في الحديث والرواية ، فان الوجه الموجب لأقربية صدور الرواية جار فيه بنحو الوضوح ، كما لا يخفى على اللبيب .
هذا كله إذا لم يكن قيد في الحديث في قوله عليه السّلام « الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما واصدقهما في الحديث وأورعهما » راجعا إلى جميع الأمور المذكورة من الأعدلية والأفقهية والأورعية ، كما قد يدعى ان القدر المتيقن رجوعه إلى خصوص الأخير وهو الأصدقيّة ، وإلّا بان كان راجعا إلى الجميع كما هو المحتمل ارتفع الاشكال بحذافيره ، وحيث إنه محتمل لا يمكن دعوى عدم صلاحية ان يكون المراد بالترجيح بالأعدلية والأورعية مثلا الترجيح بكل ما يوجب الأقربية ، والامر واضح فتدبر .
واما اشكال تعدد السؤال والجواب وانه لو فهم السائل ان المناط بمطلق الأقربية تبين الامر عنده ولا تحتاج إلى تكرار السؤال ، فيمكن الجواب عنه بأنه فهم ان الملاك بمطلق أقربية صدور احدى الروايتين ، ولذا فرض الكلام فيما ليس إحداهما أقرب صدورا حيث قال : فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر ، ولكن لما كان سؤاله هذا كاشفا عن انه تخيل اختصاص ما يوجب الأقربية بهذه الأمور وما يشبههما وكان من ساير ما يوجب ذلك بمكان من الذهول والغفلة ، ولذلك قال : انهما عدلان مرضيان الخ فإنه ظاهر في انه تخيل ان الموجب للأقربية مختص بصفات الراوي وأفضلية أحدهما على الآخر بين الامام عليه السّلام تنبيها للمصداق ان الشهرة أيضا مما يوجب
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 321
مساهمون: المحقق الداماد
ص٣٢١