تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
عددهم يوما بعد يوم ، وان كذبة واحدة لم تندّ من بين شفتيه في يوم من الأيام ، وأنه لم ينقض قط عهدا أو وعدا . وأنه ما تبعه أحد ثم تزعزع ايمانه وفارقه . كانت تعاليمه ، باختصار ، قوامها عبادة اله واحد ، وعدم الاشراك به ، والصلاة ، والتقوى . وقول الصدق ، والاحسان إلى الأنسباء والجيران وكل فرد من افراد البشرية كافة . وتأثر القيصر تأثرا عظيما بما أورده أبو سفيان ، وهو عدوّ من أعداء الاسلام . وكان قد رأى أيضا رؤيا ذات مغزى ، متصلة بهذه المسألة . وهكذا جمع بطاركته وحاول ان يقنعهم بتبنّي رأيه في الاسلام ، باذلا جهده لحملهم على الاعتقاد بأن هذا التبنّي سوف يعود عليهم بالخير . حتى إذا وجد أنهم كارهون ، جميعا ، لفكرة التخلي عن عقيدتهم القديمة هدّأ من غيظهم بأن أكّد لهم انه إنما قال ما قال ليختبر صلابتهم في دينهم ليس غير . وواضح انه لم يكن في طوقه ان يثير الكنيسة كلها عليه . وهكذا لم يعلن اسلامه جهارا ، ومات وهو على تلك الحال نفسها . واشتملت الرسالة الموجهة إلى كسرى ، هي والرسائل الأخرى ، على الآية التي توجّنا بها هذا الفصل . إنها تدعو أهل الكتاب إلى قبول ما هو مشترك بين عقيدتهم وبين الاسلام : أن لا يعبدوا إلا اللّه ، وان لا يشركوا به شيئا ، وأن لا يؤلهوا رجالا مثلهم . والواقع ان الآية تلفت الانتباه إلى مبدأ لو اصطنع اليوم اذن لوضع حدا لجميع المنازعات الدينية ، صاهرا مختلف الأنظمة في دين كونيّ واحد ، وصاهرا البشرية كلها في اخوّة كليّة واحدة . إنه يقرّر ، ابتغاء إزالة الفروق جميعا ، ان كل ما هو مشترك بين جميع الأديان يجب أن يقبله الجميع ، كأساس يبدأ به ، ثم تشاد فوق هذا الأساس جميع التفاصيل الدينية المتاخمة مع هذه الحقيقة الأساسية . وهكذا تستطيع أديان العالم كلها ان تتلاقى على أرض مشتركة وتسوّي خلافاتها