[ رسالة حلّ العقول لعقد الفحول ]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم نحمدك اللّهمّ على أن وفّقتنا لصرف نفائس الأعمار في أعز الأشغال واشرف الأعمال وأبقيتنا على أحسن الأحوال في تحصيل المسائل والحقائق وطلب الدلائل والدّقائق وأجريت على اناملنا حلّ عقد المعضلات وألقيت في سرائرنا فهم نكت المشكلات ونصلّى على نبيّك المبعوث على كافّة الأنام لتبليغ الآيات والأحكام وتبيين مسائل الحلال والحرام وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين الكرام مفاتيح حدائق الأحكام ومصابيح غواسق الظّلام ولا نزال نلعن أعدائك وأعدائهم الكفرة الفجرة اللّئام وبعد فيقول الفقير إلى اللّه الغنىّ محمّد باقر بن مرتضى الطّباطبائى عاملهما اللّه بلطفه الخفىّ انّ هذه رسالة وجيزة بل جوهرة عزيزة شعشعانية ودرّة ثمينة نورانيّة ألفتها في حلّ مشكلات الأصول ومعضلات الفحول على طرز جديد ووضع سديد وأسلوب عجيب ونمط غريب لم يسبقني اليه أحد في السّالف والغابر ولم يشاركنى فيه غائب ولا حاضر وأنت إذا تأمّلت فيها وجدتها بحرا متراكما تياره متلاطما زخاره وبالحرى ان تسمّى بحلّ العقول لعقد الفحول والتّوفيق من اللّه غاية المأمول انّه خير مدعوّ ومسؤول
1 عقد وحلّ
ربّما يستشكل في اخذهم في تعريف الفقه العلم حيث قالوا هو العلم بالأحكام الشّرعيّة الفرعيّة عن ادلّتها التّفصيليّة بانّ الفقه أكثره من باب الظّنّ لابتنائه غالبا على ما هو ظنّى الدّلالة أو السّند فكيف يعتبر فيه العلم وأجيب عنه بوجوه تعلّق الغرض هنا بذكر بعضها وهو ما أجاب به العلّامة ره في التّهذيب من انّ ظنّيّة الطّريق لا تنافى علميّة الحكم فانّ صاحب المعالم اعترض عليه بانّه لا يتمّ على أصول العدليّة وانّما يتمّ على مذاق الأشاعرة القائلين بالتّصويب وتحقيق المقام انّه يمكن تصحيحه على أصول العدليّة أيضا بوجوه أوجهها انّ المراد من الحكم في كلامه هو الحكم الظاهري أو الأعمّ بيانه انّ الشّارع جعل ظنّ المكلّف مناطا للاحكام وعلّة لها اجماعا فان اجتهد وظنّ بالحكم جزم بوجود علّته اعني ظنّه وهو امر وجدانىّ والجزم بوجود العلّة يوجب الجزم بوجود المعلول بالضّرورة فقد أدى ظنّه بالأحكام إلى العلم بها فيحصل للمجتهد بعد حصول الظّنّ مقدّمتان قطعيّتان إحداهما انّ الحكم الفلاني مظنون الثّبوت بالطّريق الشّرعى وهي مقدّمة وجدانيّة وثانيتهما انّ كلّ مظنون الثّبوت بالطّريق الشّرعى يجب العمل به وهي مقدّمة اجماعيّة فانّ الإجماع واقع على وجوب العمل بالظّنّ الحاصل من الطّريق الشّرعى فيكون النّتيجة وجوب العمل بذلك الحكم وهي قطعية لأنّ كلّ ظاهر قام عليه دليل فهو معلوم بحسب الظاهر مظنون بحسب الواقع كالعلم بكون مال زيد له وكذا زوجته بمجرّد اليد والتّصرّف ولذا يحلف عليه مع انّه ربّما لا يكون له في الواقع ومثل البناء على الظّنّ في افعال الصّلاة فانّه ممّا يقطع بانّه حكم اللّه مع احتمال مخالفته للواقع وكذا البناء على جهة من الجهات في الصّلاة بظنّ كونها قبلة ومثل انّ الولد يكون للفراش يقينا شرعا مع عدم العلم بكونه له واقعا إلى غير ذلك ممّا لا يحصى فان قلت نتيجة هذا القياس المركّب من هاتين المقدّمتين انّما هي وجوب العمل بالحكم قطعا وذلك لا يستلزم كون الحكم معلوما والنّزاع انّما هو فيه قلت هذا لا يرد بعد ما حملنا الحكم على الظّاهرىّ إذ الحكم الظّاهرىّ عبارة أخرى عما يجب العمل به والمفروض قطعيّته وامّا ما قرّره السّيّد العميدى ره وغيره في الجواب من انّ المراد بكون الحكم معلوما كون وجوب العمل به معلوما فهو غير وجيه لأنّه يرد عليه ما أورده الفاضل الجواد وغيره من انّ الفقه هو العلم بالأحكام لا العلم بوجوب العمل بها ودفعه بانّ المراد انّ العلم قد اطلق على الفقه مع كونه ظنّيّا باعتبار انّ وجوب العمل به قطعىّ فهو من قبيل اطلاق اسم المتعلّق على المتعلق وليس المراد انّ الفقه هو نفس العلم بوجوب العمل ليرد الإيراد من قبيل دفع الفاسد بالأفسد وبيع الكاسد بالأكسد كما لا يخفى وبالجملة الأحكام الفقهيّة الحاصلة للمجتهد من حيث وجوب الأخذ بها والحكم بمقتضاها تكون فقها وهي بهذه الحيثيّة معلومة للفقيه ومن حيث مطابقتها للواقع أو لمقتضى الأدلّة الشّرعيّة تكون ظنّيّة في الغالب وموردا للاختلاف وتكون بهذه الحيثيّة متعلّقة للاجتهاد والجهة الثّانية متقدّمة على الأولى ومن هنا يظهر الفرق بين مرحلتي الفقاهة والاجتهاد ومرحلتي الاستنباط والعمل ويندفع عن القوم اعتراض آخر من انّهم اخذوا في تعريف الفقه العلم وفي تعريف الاجتهاد الظّنّ مع اتّحاد متعلّق الفقاهة والاجتهاد حيث جعل معرفة المسائل النّظريّة فقها وتحصيلها واستنباطها عن ادلّتها اجتهادا سواء كانت قطعيّة أو ظنّيّة توضيح الاندفاع انّ ذلك خارج عن الاصطلاح حسبما ينادى به ملاحظة كلماتهم في الحدود في المقامين واستعمالاتهم المنتشرة في البين حيث انّهم يجعلون المسائل الاجتهاديّة في مقابلة المسائل الفقهيّة القطعيّة بل يندفع توهّم البهائي ره أيضا حيث حكم في زبدته بانّ القطعيّات ليست فقها ومن ثمّ لا اجتهاد فيها كما ينطق به حدّه فانّ الفرق بين المرحلتين يقلع مادّة هذه الشّبهة النّاشية من توهّم التّدافع بين الأمرين والأنصاف انّ الحكم بخروج القطعيّات مط من الفقه دونه خرط القتاد كيف والاجتهاد قد ينتهى إلى اليقين مع انّ صدق الفقيه على أصحاب النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة عليهم السّلم ممّا لا كلام فيه مع انّهم كانوا يأخذون الأحكام عنهم عليهم السّلم بالمشافهة ولا يتصوّر ظنّ في شأنهم في كثير من المسائل وعلومهم اليقينيّة الثّابتة بنصّ المعصوم عليه السّلم من الفقه قطعا نعم القطعيّات الّتى هي من ضروريات الدّين خارجة عنه نظرا إلى انّها من جملة القضايا الّتى قياساتها معها وممّا ينبّه على
دخولها في الفقه ملاحظة من ادلّة الفقه الإجماع ونحوه من الأدلّة اليقينيّة ويثبت كثير من الفقه منها والفقهاء يستدلّون بها في الفقه قطعا مع انّ التّجزى في الاجتهاد معركه للآراء والمفروض حصول الظّنّ للمتجزّى يقينا فلا يبقى للنّزاع وجه لو كان الاجتهاد مجرّد الظّنّ مضافا إلى ما قيل من انّ للاجتهاد شرائط يكون حراما بدونها إذ العمل بالظّنّ حرام بمقتضى الآيات والأخبار الكثيرة وغيرهما فما لم ينته إلى اليقين لا يجوز العمل به فضلا عن أن يفتى به مع انّ غالب القدماء لم يجوّزوا العمل بالظّنّ في الفقه وممّا يرشد إلى ما ذكرناه انّ الأخباريّين يحرّمون الاجتهاد ولا يأبون عن الفقاهة وهذا ينادى بالفرق المذكور والحاصل انّ القطعيّات أربعة أقسام أحدها أن تكون من ضروريّات الدين وهي خارجة عن الفقه وليست من متعلّقات الاجتهاد قطعا وثانيها أن تكون من المسائل الظّنّية الّتى اتّفق انتهاء الأمر فيها إلى اليقين للبعض وهي مندرجة فيه قطعا والظاهر كونها من متعلّقات الاجتهاد أيضا إذ انتهاؤها إلى القطع أحيانا لا يخرجها عن كونها اجتهاديّة وثالثها أن تكون من ضروريّات المذهب ورابعها أن تكون من القطعيّات الغير الواصلة إلى حدّ الضّرورة الّا انّها ثابتة في الدّين أو المذهب على سبيل اليقين بالنّظرة وغيره بحيث لا مجال للاجتهاد فيها والظّاهر اندراجهما فيه وممّا حقّقناه يظهر لك انّ