الكلي ويخرج عن القسم الثالث ، فلا ترتفع الشبهة والإشكال عما ذهب إليه القوم من الاكتفاء بالوضوء بل تتأكد الشبهة . ولا فرق في ذلك بين أن يكون التضادّ بين حديهما أو بين الحدين وذاتيهما كما يظهر وجهه بالتأمل ، فلا بدّ من التشبث بوجه آخر في رفع الإشكال .
ويمكن أن يقال : بأن احتمال عدم المضادة بين الحدثين يكفي في عدم جريان الاستصحاب ، بناء على عدم جريانه على تقدير عدم المضادة وكونهما من باب الشدة والضعف كما يستفاد من قوله ( عليه السلام ) « الوضوء على الوضوء نور على نور » « 1 » لعدم إحراز كون المشكوك عين المتيقّن . ولكنه لا يفيد إذا قلنا باشتراط الطهارة في الصلاة كما هو الظاهر المحقق ، فإنها لا تحرز وإن لم يكن الاستصحاب جاريا ، حيث أن الشك في بقاء الحدث واحتماله بعد باق ، وهذا الاحتمال يكون موجودا ولو على فرض عدم المضادة بينهما وإمكان اجتماعها ، ولو فرضنا أن الاستصحاب لا يجري على هذا التقدير قطعا .
وقد ذهب بعض الأعاظم « قدس سرهم » بعد ذكر القسم الثالث من الاستصحاب في حلّ الإشكال ووجه كفاية الوضوء وعدم لزوم الجمع بينه وبين الغسل ، إلى أن مقتضى قوله تعالى :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
- إلى قوله تعالى -
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا . . .
« 2 » أن القائم للصلاة بعد النوم إذا لم يكن جنبا يجب عليه الوضوء فقط ، لصيرورة الموضوع مقيدا بعدم الجنابة كما هو الحال في تقيد موضوعه بالواجدية للماء بالنسبة إلى آية التيمم المستفاد من قوله تعالى :
. . . فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا . . .
« 3 » ويتحقق الموضوع بالأصل والوجدان ، لأن القيام من النوم وجداني وعدم الجنابة مقتضى الأصل ، فمقتضى الدليل الاجتهادي كفاية الوضوء سواء قلنا بجريان الاستصحاب في
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ج 1 ، الباب الثامن من أبواب الوضوء ، الحديث 8 .
( 2 ) . سورة المائدة : الآية 6 .
( 3 ) . سورة النساء : الآية 43 .