دروس في الرسائل — صفحة 189
وإنّما يحكم بالتخيير بضميمة أنّ تعيين أحدهما ترجيح بلا مرجّح ، فإن استقلّ بعدم المرجّح حكم بالتخيير ، لأنّه نتيجة عدم إمكان الجمع وعدم جواز الطرح وعدم وجود المرجّح لأحدهما . وإن لم يستقلّ بالمقدّمة الثالثة توقف عن التخيير ، فيكون العمل بالراجح معلوم الجواز والعمل بالمرجوح مشكوكه . فإن قلت : أوّلا : إنّ كون الشيء مرجّحا مثل كون الشيء دليلا ، يحتاج إلى دليل ، لأنّ التعبّد بخصوص الراجح إذا لم يعلم من الشارع كان الأصل اعتبار المزيّة المستلزم للتخيير ، فإطلاقها لا ينفع من هذه الجهة . [ حكم العقل بالتخيير مبني على مقدّمات ثلاث ] والعقل إنّما يستفيد من ذلك الحكم المعلّق بالإمكان عدم جواز طرح كليهما ، لا التخيير بينهما ، وإنّما يحكم بالتخيير بضميمة أنّ تعيين أحدهما ترجيح بلا مرجّح . وملخّص الكلام على ما في شرح الأستاذ الاعتمادي أنّ نتيجة وجوب العمل بكلّ خبر إن أمكن هي مجرّد حرمة طرحهما عقلا دون التخيير ، حتى لا يفرّق بين وجود المرجّح وعدمه ، وإنّما التخيير نتيجة وجوب العمل بكلّ خبر إن أمكن بانضمام قبح الترجيح بلا مرجّح . وحكم العقل بالتخيير ، كما يأتي في المتن مبنيّ على مقدّمات ثلاث ، وهو مستقلّ في ثبوت كلّ منها : إحداها : عدم إمكان الجمع . وثانيتها : عدم جواز طرح كليهما . وثالثتها : عدم وجود المرجّح لأحدهما . وإن لم يستقلّ بالمقدّمة الثالثة ، بأن يحتمل وجود المرجّح أو مرجّحيّة الموجود توقف عن التخيير ، فلا يحكم العقل بشيء ، فحينئذ يؤخذ بمتيقّن الحجيّة وهو ذو المزيّة ويجري في غيره اصالة عدم الحجيّة ، كما أشار إليه بقوله : فيكون العمل بالراجح معلوم الجواز والعمل بالمرجوح مشكوكه ، أي : الجواز من جهة أصالة عدم الحجيّة بعد احتمال اعتبار المزيّة . فإن قلت : أولا : إنّ كون الشيء مرجّحا مثل كون الشيء دليلا ، يحتاج إلى دليل . فالشكّ في حجيّة المرجوح مسبّب عن الشكّ في اعتبار المزيّة ، والأصل عدم اعتبارها ، فإذا جرى الأصل في السبب ارتفع الشكّ عن المسبّب ولو حكما ، ولا يعارضه استصحاب المسبّب ، لأنّه حاكم عليه .