التأمّل ، وإن كان وجه المشهور أقوى ، هذا حكم المفتي .
وأمّا الحاكم والقاضي ، فالظاهر - كما عن جماعة - أنّه يتخيّر أحدهما فيقضي به ، لأنّ القضاء والحكم عمل له لا للغير فهو المخيّر ، ولما عن بعض : من أنّ تخيير المتخاصمين لا ترفع معه الخصومة ، ولو حكم على طبق إحدى الأمارتين في واقعة ، فهل له الحكم على طبق الأخرى في واقعة أخرى ؟ .
شرح
وبالجملة بناء على حجيّة قول اللغوي وجريان التخيير في مطلق المتعارضين يكون زمام التخيير بيد المجتهد ، فيختار الحكم المتفرّع على أحد القولين ويفتي به ، ويأتي التفصيل كما في شرح الاعتمادي .
والمسألة محتاجة إلى التأمّل ، وإن كان وجه المشهور أقوى .
وذلك لأنّ القدر المتيقّن من رجوع المقلّد إلى المجتهد إنّما هو في الأحكام الشرعيّة المجهولة التي استنبطها من مضامين الأدلّة لا ما أخذه بالهواء والإرادة النفسانيّة ، ومضمون الأدلّة ليس إلّا التخيير ، ومختاره إنّما جاء من قبل إرادته ولا دليل على وجوب متابعته .
والأولى هو العمل بالاحتياط ، بأن يفتي أولا بالتخيير ثمّ أعلم المقلّد بالمختار إرشادا ، كما في التعليقة .
وقال الأستاذ الاعتمادي في المقام ما هذا لفظه : لعلّ وجه القوة هو أنّ منشأ نيابة المجتهد عن المقلّد إنّما هو عجزه عن القيام بشروط العمل بالأدلّة ، وبعد إثبات الوظيفة في المتكافئين هو التخيير ، فاختيار أحد الخبرين مقدور للمكلّف فلا مقتضى للنيابة فيه ، مضافا إلى ما عرفت من أنّ إلزام المقلّد بمضمون أحد الخبرين لم يقم عليه دليل .
وأمّا الحاكم والقاضي ، فالظاهر - كما عن جماعة - أنّه يتخيّر أحدهما فيقضي به .
مثلا : إذا وقع النزاع في الحبوة وهي العطيّة من تركة الأب للولد الأكبر ، وكانت الأخبار فيها متعارضة ، بأن دلّ بعضها بحصرها بالثياب والخاتم ، والسيف ، والمصحف ، وبعضها بإضافة الدرع ، فيختار الحاكم عند المرافعة إليه أحدهما ويقضي به .
وذلك لأنّ القضاء في الخصومات والمنازعات والحكم بين الناس عمل له لا للغير فهو المخيّر . هذا تمام الكلام في التنبيه الأوّل .