ترك الأكثر لو كان واجبا في الواقع ، فلا يقتضي العقل وجوبه من باب الاحتياط الراجع إلى وجوب دفع العقاب المحتمل .
وقد توهّم بعض المعاصرين عكس ذلك ، وحكومة أدلّة الاحتياط على هذه الأخبار ، فقال : « لا نسلّم حجب العلم في المقام لوجود الدليل في المقام ، وهي أصالة الاشتغال في الأجزاء والشرائط المشكوكة .
شرح
يكون حاكما بوجوب الاحتياط - تكون هذه الأخبار كافية في إثبات البراءة متقدّمة على ذلك الدليل العقلي بالورود ؛ لأنّ موضوع حكم العقل بلزوم الإتيان بالأكثر من باب الاحتياط هو احتمال الضرر في تركه ، وبعد إخبار الشارع بنفي العقاب على ترك الأكثر - حتى لو كان واجبا في الواقع - ينتفي معه احتمال العقاب على ترك الأكثر ، فكيف يحكم العقل بوجوب الاحتياط من باب وجوب دفع الضرر المحتمل ؟ ! .
وبذلك يظهر أنّ تعبير المصنّف قدّس سرّه بحكومة الأخبار على الدليل العقلي لا يخلو من مسامحة ؛ وذلك لأنّ الحكومة بمعنى كون الدليل الحاكم مفسّرا وشارحا للدليل المحكوم تعبّدا لا تتصوّر بالنسبة إلى الأحكام العقليّة ؛ لأنّ الحكومة بالمعنى المذكور ترجع إلى كون الدليل الحاكم مخصّصا ، ومن المعلوم بالضرورة والوجدان أنّ الأحكام العقليّة غير قابلة للتخصيص .
( وقد توهّم بعض المعاصرين عكس ذلك ، وحكومة أدلّة الاحتياط على هذه الأخبار ) ، والمتوهّم هو صاحب الفصول قدّس سرّه حيث قال بحكومة أدلّة الاحتياط على هذه الأخبار التي استدلّ بها على البراءة في المقام .
وتقريب هذا التوهّم يتوقف على ذكر مقدّمة ، وهي : إنّ موضوع الحكم بالبراءة في هذه الأخبار كقوله عليه السّلام : ( ما حجب اللّه تعالى علمه . . . إلى آخره ) « 1 » وقوله صلّى اللّه عليه وآله : ( رفع عن امّتي . . .
إلى آخره ) « 2 » . وهو عدم العلم الأعمّ من العلم الوجداني والتعبّدي ، وليس عدم العلم وجدانا فقط .
وبعبارة واضحة : إنّ موضوع البراءة الشرعيّة هو عدم وجود الطريق على ثبوت الحكم
پاورقی
( 1 ) التوحيد : 413 / 9 . الوسائل 27 : 163 ، أبواب صفات القاضي ، ب 12 ، ح 33 .
( 2 ) الخصال : 417 / 9 . التوحيد : 353 / 24 . الوسائل 15 : 369 ، أبواب جهاد النفس ، ب 56 ، ح 1 .