قلت : الإذن في فعلهما في هذه الصورة - أيضا - ينافي الأمر بالاجتناب عن العنوان الواقعي المحرّم ، لما تقدّم من أنّه مع وجود دليل حرمة ذلك العنوان المعلوم وجوده في المشتبهين لا يصحّ الإذن في أحدهما إلّا بعد المنع عن الآخر بدلا عن المحرّم الواقعي ، ومعناه
شرح
وثانيهما : ما يمكن ارتكابهما دفعة كشرب الإنائين المشتبهين بالخمر .
ومن هذه المقدّمة يتّضح لك الإشكال فيما إذا فرضنا المشتبهين ممّا لا يمكن ارتكابهما دفعة ، فنقول :
إنّ الغرض وهو الاجتناب عن أحدهما حال ارتكاب الآخر حاصل قهرا على هذا الفرض من دون حاجة إلى جعله بدلا عن الواقع ، ثمّ الأمر بالاجتناب عنه .
فما ذكر من أنّ إذن الشارع في أحدهما لا يحسن إلّا بعد الأمر بالاجتناب عن الآخر . . . إلخ ، لا يرجع إلى محصّل ، بل إذن الشارع في ارتكاب كليهما ليس بقبيح ، فضلا عن إذنه في أحدهما ، فكما يصحّ من الشارع الإذن في ارتكابهما تدريجيا على نحو التخيير الاستمراري ، كذلك يصحّ إذنه في ارتكابهما دفعة في محلّ الفرض ، لأنّ الغرض من التخيير وهو ترك الآخر حين الارتكاب حاصل قهرا ، كما عرفت .
وعلى هذا فيجوز الإذن في ارتكاب كلا المشتبهين من دون حاجة إلى النهي عن أحدهما ، ولازمه جواز المخالفة القطعيّة التدريجيّة ، فيكون هذا الإشكال دليلا لمن يقول بجواز المخالفة القطعيّة فيما لا يمكن ارتكاب الأطراف دفعة ، كما هو ظاهر الرواية الثانية على ما عرفت .
وبالجملة ، إنّ ما ذكر في الجواب عن الإشكال السابق من أنّ إذن الشارع في أحدهما لا يحسن إلّا بعد الأمر بالاجتناب عن الآخر بدلا عن الحرام الواقعي لا يتمّ على إطلاقه ، بل إنّما يتمّ في صورة واحدة ، وهي فيما إذا أمكن ارتكابهما دفعة دون غيرها .
( قلت : الإذن في فعلهما في هذه الصورة ) ، أي : صورة عدم إمكان ارتكاب المشتبهين دفعة ( أيضا ينافي الأمر بالاجتناب عن العنوان الواقعي المحرّم . . . إلى آخره ) .
وهذا الجواب من المصنّف قدّس سرّه يتّضح بعد بيان أنّ التكليف بغير المقدور قبيح عقلا ، ولا يجوز شرعا ، فلا بدّ من أن يكون متعلّق التكليف مقدورا للمكلّف أيضا ، والمراد من المقدور ما يتمكّن المكلّف من فعله وتركه معا .