وما ورد على تقدير تسليم دلالته معارض بما ورد من الأمر بالتوقّف والاحتياط ، فالمرجع إلى الأصل ، ولو تنزّلنا عن ذلك فالوقف ، كما عليه الشيخان ، واحتج عليه في العدّة بأنّ الإقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالإقدام على ما يعلم المفسدة فيه .
شرح
فنقول :
إن الأقوال في هذه المسألة على ما يظهر من كلام المصنّف قدّس سرّه ثلاثة هي : الحظر ، والتوقّف ، والإباحة .
وقد أشار المصنّف قدّس سرّه إلى الأوّل بقوله : إن الأصل في الأفعال غير الضرورية الحظر . . .
إلى آخره ، وإلى الثاني بقوله : ولو تنزّلنا عن ذلك فالوقف . . . إلى آخره ، وإلى الثالث بقوله :
وإن قال بأصالة الإباحة . . . إلى آخره .
قوله : ( وما ورد على تقدير تسليم دلالته معارض بما ورد من الأمر بالتوقّف والاحتياط . . . إلى آخره ) .
دفع لما قد يتوهّم من أنّ الأصل في الأشياء وإن كان هو الحظر مع قطع النظر عن الشرع ، فيعمل به حتى تثبت الإباحة شرعا ، إلّا إنّه قد ثبتت الإباحة شرعا فيما لا نصّ فيه بأدلّة البراءة ، وبذلك لا ينفع هذا الأصل في إثبات مفاد كلام الأخباريّين .
وحاصل الدفع أنّ ما ورد على تقدير تسليم دلالته من أدلّة البراءة معارض بما ورد من الأمر بالتوقّف والاحتياط فيتساقطان ، ويرجع إلى الأصل المذكور وهو الحظر . هذا تمام الكلام فيما يظهر من المصنّف قدّس سرّه من الأقوال .
وأمّا ما استدل به لكلّ واحد منها ، فاحتجّ القائلون بالحظر بأنّ الأشياء كلّها للّه تعالى ، ومن البديهي عند العقل هو عدم جواز التصرف في مال الغير بدون إذن منه ، فيحكم بقبح التصرف في مال الغير بغير الإذن .
وفيه : إنّ ذلك صحيح في نفسه ، إلّا إنّ اللّه تعالى خلق الأشياء للإنسان لا لنفسه ، لعدم الحاجة كما يدل عليه قوله تعالى :اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً« 1 » وقوله تعالى :اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ« 2 » .
هامش
( 1 ) غافر : 64 .
( 2 ) غافر : 79 .