وتوضيح ذلك : إنّ كون الدليل رافعا لموضوع الأصل - وهو الشك - إنّما يصحّ في الدليل العلمي ، حيث إنّ وجوده يخرج حكم الواقعة عن كونه مشكوكا فيه . وأمّا الدليل غير العلمي فهو بنفسه غير رافع لموضوع الأصل ، وهو عدم العلم . وأمّا الدليل الدالّ على اعتباره ، فهو وإن كان علميّا إلّا إنّه لا يفيد إلّا حكما ظاهريّا نظير مفاد الأصل . إذ المراد بالحكم الظاهري ما ثبت لفعل المكلّف بملاحظة الجهل بحكمه الواقعي الثابت له من دون مدخليّة العلم والجهل .
شرح
وكون النسبة بينهما هي العموم من وجه ، لا ينفع في ردّ تقديم دليل اعتبار الأمارة على دليل اعتبار الأصل بالتخصيص ، بل دليل الأمارة مخصّص لدليل الأصل ، وإن كانت النسبة بينهما عموما من وجه ، وذلك لقيام الإجماع على حجّية الأمارة في جميع الموارد ، بمعنى أنّها حجّة في مادة الاجتماع مع الأصل ، كما أنّها كذلك في مادة الافتراق ، فحينئذ تخرج مادة الاجتماع بما دلّ على اعتبارها عن الأصل ، فيكون دليلها مخصّصا لدليله ، وهذا هو معنى تخصيص الأصل العملي بالدليل الاجتهادي .
ثمّ إن المصنّف قدّس سرّه يشير إلى التفصيل بين الأصل العقلي والشرعي ، فيقول قدّس سرّه : إنّ الدليل غير العلمي وارد بالنسبة إلى الاحتياط والتخيير العقليين لكونه رافعا لموضوعهما ، وأمّا بالنسبة إلى ما عداهما من الأصول الشرعية فهو بنفسه - أي : مع قطع النظر عن دليل اعتباره - غير رافع لموضوع الأصل وهو عدم العلم .
والحاصل أن تقدّم الدليل الظني على الأصل العقلي يكون بالورود ، وعلى الأصل الشرعي بالتخصيص ، كما لا يخفى .
وقوله : ( وأمّا الدليل الدال على اعتباره ، فهو وإن كان علميا ) .
دفع لما يتوهم من أنّ نفس الدليل غير العلمي وإن لم يكن رافعا لموضوع الأصل الشرعي إلّا أنّ الدليل الدال على اعتباره كان علميا كالأدلة الأربعة فيرتفع به موضوع الأصل ، فيكون تقديم الدليل على الأصل من باب الورود لا من باب التخصيص .
وحاصل الدفع هو أن الدليل الدال على الاعتبار وإن كان علميا ، إلّا أنّه لا يفيد إلّا حكما ظاهريا ؛ وذلك لأنّ خبر الثقة الدال على حرمة شرب التتن في مورد أصالة الإباحة شرعا لا يوجب العلم بالحكم الواقعي حتى يرتفع به موضوع الأصل فيكون واردا عليه ،