تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في الرسائل — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
لكنّك خبير بأنّ الأمر بالتبيّن هنا مسوق لبيان الوجوب الشرطيّ ، وأنّ التبيّن شرط للعمل بخبر الفاسق دون العادل ، فالعمل بخبر العادل غير مشروط بالتبيّن ، فيتمّ المطلوب من دون ضمّ مقدّمة خارجيّة ، وهي كون العادل أسوأ حالا من الفاسق . والدليل على كون الأمر بالتبيّن للوجوب الشرطي لا النفسي - مضافا إلى أنّه المتبادر عرفا في أمثال المقام وإلى أنّ الإجماع قائم على عدم ثبوت الوجوب النفسيّ للتبيّن في خبر الفاسق ، وإنّما أوجبه من أوجبه عند إرادة العمل به ، لا مطلقا - هو أنّ التعليل في الآية بقوله تعالى :
أَنْ تُصِيبُوا
، لا يصلح أن يكون تعليلا للوجوب النفسيّ ، لأنّ حاصله يرجع إلى أنّه : لئلّا تصيبوا قوما بجهالة بمقتضى العمل بخبر الفاسق فتندموا على فعلكم بعد تبيّن
شرح
نفسيا كالصلاة مثلا ، فحينئذ لا يتمّ الاستدلال إلّا بضمّ المقدمة الخارجية ، إذ يكون هنا أمور ثلاثة : الأول : هو وجوب التبيّن والفحص عن الصدق والكذب . والثاني : هو الردّ من دون التبيّن . والثالث : هو القبول من غير الفحص . فيقال : إنّ الأول وهو وجوب الفحص عن خبر العادل قد انتفى بمفهوم الآية . والأمر الثاني وهو الردّ من دون التبيّن - أيضا - يكون منتفيا لاستلزامه كون العادل أسوأ حالا من الفاسق . فيبقى الأمر الثالث ، وهو قبول خبر العادل من غير تبيّن ، وهو المطلوب . فإثبات المطلوب موقوف على هذه المقدمة الخارجية على تقدير كون التبيّن واجبا نفسيا ، ولكن وجوب التبيّن ليس نفسيا حتى نحتاج إلى تلك المقدمة ، بل وجوبه وجوب شرطي ، أي : يكون التبيّن شرطا لجواز العمل بخبر الفاسق ؛ لأنّ التبيّن عنه مع قطع النظر عن العمل به ليس واجبا قطعا ، بل ربّما يكون محرّما ؛ لأنّ الفحص عن كون المخبر صادقا أو كاذبا من دون إرادة العمل بخبره يكون مصداقا للفحص عن عيوب الناس ، وهو محرّم شرعا ، فيكون الأمر بالتبيّن مسوقا لبيان الوجوب الشرطي . ويدلّ عليه مضافا إلى وضوحه في نفسه لأنّه المتبادر عرفا ، ومضافا إلى الإجماع القائم على عدم الوجوب النفسي للتبيّن في خبر الفاسق . والتعليل المذكور في ذيل الآية