لكنّ الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشارع وإن كان مخالفا للواقع في علم اللّه فيعاقب على مخالفته ، أو أنّه حجّة عليه إذا صادف الواقع ؟ بمعنى أنّه لو شرب الخمر الواقعيّ عالما عوقب عليه ، في مقابل من شربها جاهلا ، لا أنّه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا وإن لم يكن خمرا في الواقع .
ظاهر كلماتهم في بعض المقامات الاتّفاق على الأوّل ، كما يظهر من دعوى جماعة
شرح
هذا تمام الكلام في الأمرين .
فيقع الكلام في تحرير ما هو محل النزاع في المقام .
والظاهر هو عدم الخلاف في حجّية القطع ، بمعنى صحة الاحتجاج من المكلّف على الشارع في مورد الإطاعة والانقياد ، ومن الشارع على المكلّف في مورد المعصية ، وإنّما النزاع في حجّية القطع للشارع على المكلّف فيما إذا خالفه وكان مخالفا للواقع ، هل يكون قطعه هذا حجّة حتى يعاقب على المخالفة أم ليس بحجّة ؟ فيكون معنى الحجّة في قوله رحمه اللّه ( في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشارع ؟ ) أنّه كان للشارع أن يحتج به عليه ، ويعاقبه عند مخالفته لقطعه وإن كان جهلا مركبا . وفيه وجوه وأقوال :
قال المصنّف رحمه اللّه : إنّ التجرّي لا يقتضي شيئا سوى الكشف عن سوء سريرة الفاعل وخبث باطنه الذي لا يترتب عليه سوى اللوم ، كالبخل والحسد ونحوهما من الأوصاف المذمومة التي لا يترتب عليها استحقاق العقوبة ما لم تظهر في الخارج ، مع بقاء العمل المتجرّى به على ما هو عليه من الحكم قبل تعلّق القطع به .
وقيل : باقتضاء التجرّي لاستحقاق العقوبة على مجرد العزم على العصيان محضا ، لا على الفعل المتجرّى به نظرا إلى أنّ التجرّي من المحرمات الجنانية لا الجوارحية كما في الكفاية .
وقيل : باقتضائه لاستحقاق العقوبة على نفس التجرّي ، أعني : الفعل المتجرّى به لا على العزم من جهة انطباق عنوان الطغيان عليه .
والمحصّل في محل النزاع أن التجرّي هل يوجب استحقاق العقوبة أم لا ؟
اختار المصنف رحمه اللّه الاحتمال الثاني ، واختار كثير من الأصحاب الاحتمال الأول ، كما أشار إليه بقوله :