ويؤيّد ما ذكرنا أنّه لم يستدل أحد من العلماء على حجّية فتوى الفقيه على العامّي بآية النبأ ، مع استدلالهم عليها بآيتي النفر والسؤال .
والظاهر أنّ ما ذكرنا - من عدم دلالة الآية وأمثالها من أدلّة قبول قول العادل على وجوب تصويبه في الاعتقاد - هو الوجه في ما ذهب اليه المعظم ، بل أطبقوا عليه ، كما في الرياض ، من عدم اعتبار الشهادة في المحسوسات إذا لم تستند إلى الحسّ ، وإن علّله في الرياض بما لا يخلو عن نظر ، من أنّ الشهادة من الشهود وهو الحضور ، فالحسّ مأخوذ في مفهومها .
Commentary
( ويؤيّد ما ذكرنا أنّه لم يستدل أحد من العلماء على حجّية فتوى الفقيه على العامّي بآية النبأ ) ، أي : إنّ عدم استدلال العلماء على حجّية فتوى الفقيه بآية النبأ يكون شاهدا رابعا على أنّ الآية لا تدل إلّا على نفي احتمال الكذب فقط في خبر العادل ، ولا تدل على نفي الخطأ في الحدس لتكون دليلا على حجّية الفتوى ؛ لأنّ الإفتاء خبر حدسي ، ولهذا لم يستدلّوا بها على حجّية الفتوى ( مع استدلالهم عليها بآيتي النفر والسؤال ) .
واتّفاقهم على عدم اعتبار الشهادة في المحسوسات ما لم تكن مستندة إلى الحسّ يكون شاهدا خامسا على عدم دلالة الآية على نفي الخطأ في الحدس ، وتصويب المخبر فيه كما أشار اليه المصنّف رحمه اللّه بقوله : ( والظاهر أنّ ما ذكرنا - من عدم دلالة الآية وأمثالها من أدلة قبول قول العادل على وجوب تصويبه في الاعتقاد - هو الوجه فيما ذهب اليه المعظم . . . إلى آخره ) .
وملخّص ما أطبقوا عليه في باب الشهادة بالأمور الحسّية هو أن الأمور الحسّية لا بدّ أن تكون شهادتها عن حسّ لا حدس ، فلا تجوز الشهادة بالقتل لمن علم بالقرائن أنّ زيدا قتل عمرا ، ولم يره بعينه ، فلو دلّت الآية على حجّية خبر العادل مطلقا - حتى من جهة تصويبه في الاعتقاد وعدم خطئه في الحدس - لم يكن وجه لهذا الاشتراط ، أي : اشتراط الحس في الشهادة بالأمور الحسّية فيكون الاشتراط المذكور كاشفا عن عدم دلالة الآية على نفي الخطأ في الحدس ، بل إنّما تدلّ على نفي احتمال الكذب فقط ، والخطأ في الحسّ ينفى بالأصل العقلائي ، والخطأ في الحدس يبقى على حاله ، فلذا لا تكون شهادة العادل في الأمور الحسّية بالحدس صحيحة وحجّة : ( وإن علّله في الرياض بما لا يخلو عن نظر ) .