مصاديقه أمّا الكلام فيه من الجهة الأولى فملخّصه أنّ المراد به هو الأولى بالاعتبار بالنّسبة إلى غيره من الأمارات سواء اعتبر أولويّته بالنّسبة إلى جميع الأمارات وهو المسمّى عندهم بالمتيقّن الحقيقي والمتيقّن بقول مطلق أو بعض الأمارات ممّا هو دونه وهو المسمّى عندهم بالمتيقّن الإضافي فالمتيقّن بقول مطلق وإن كان أمرا إضافيّا يعتبر في تصوّر مفهومه ملاحظة الغير ولو في القسم الأوّل إلّا أنّه من جهة الامتياز بين القسمين منه سمّي الأوّل بالحقيقي والثّاني بالإضافي فالمتيقّن بحسب المفهوم كما ترى يرجع إلى قضيّة شرطيّة وثبوت الملازمة بين اعتبار غير ما فرض متيقّنا واعتبار ما فرض متيقّنا من دون عكس فكما يجامع ويتحقّق مع العلم باعتبار شيء من الأمارات في الشّرع ويصدق معه كذلك يصدق مع العلم بعدم اعتبار شيء من الأمارات في الشّرع على نهج واحد فإنّ نسبة الشّرطيّة إلى وجود الشّرط وعدمه على حدّ سواء فكما تصدق مع صدق الشّرط كذلك تصدق مع كذب الشّرط من غير فرق بين الأمرين فمعنى كون الشّيء أولى بالاعتبار من غيره أنّه لو كان غيره معتبرا لزم اعتباره وأمّا لو كان هو معتبرا لم يلزم اعتبار غيره من غير فرق بين ثبوت اعتبار غيره وعدمه فليس المراد من متيقّن الاعتبار معلوم الاعتبار بأن يقوم هناك دليل قطعيّ على اعتباره إذ قد عرفت صدقه مع العلم بعدم اعتباره وعدم اعتبار غيره وبالجملة وجود خصوصيّة في بعض الأمارات بحيث توجب الأولويّة بالاعتبار من غيره لا يلازم العلم بحجيّة غيره ولا بحجيّته في الشّرعيّات فما يخيّله بعض في المقام مناقشا فيما أفاده شيخنا قدس سره من رجوع المتيقّن الاعتبار إلى معلوم الاعتبار إذ لا يصير الظّن متيقن الاعتبار إلّا بعد قيام الدّليل القطعي على اعتباره فيدخل في الظّن الخاص ولا تعلّق له بالظّن المطلق ودليل الانسداد وقضيّة الإطلاق والإهمال حتّى يجعل معينا للمهملة إذ الظّن الخاصّ على تقدير وجوده وكفايته كما هو المفروض في المقام مانع عن دليل الانسداد فكيف يجعل من مقتضياته ومعيّنا للمهملة الثّابتة به فاسد جدّا وهو كما ترى ناش عن الجهل بحقيقة كلماتهم ومرادهم من هذا اللّفظ
[ نقل كلام المحقّق المحشّي ممّا يتعلّق بالمقام ]
مع أنّه ظاهر في ابتداء النّظر فيما ذكرنا مضافا إلى صراحة كلمات شيخنا قدس سره في غير موضع فيه وما أدري ما أجهله بما ذكره شيخه المحقّق المحشّي قدس سره في هذا المقام فكأنّه لم يرجع إليه أصلا وقد أطال قدس سره الكلام في بيان هذا المرام وأوضحه غاية الإيضاح حيث قال قدس سره في عداد الوجوه الّتي ذكرها في قبال القائلين بحجيّة مطلق الظّن في الأحكام نظرا إلى أن نتيجة دليل الانسداد بنفسها أو بضميمة بطلان التّرجيح من غير مرجّح إطلاق حجيّة الظّن ما هذا لفظه ( الخامس ) أنّه بعد البناء على حجيّة الظّن في الجملة على سبيل القضيّة المهملة كما قضت به المقدّمات الثّلاث المذكورة إذا دار الأمر فيه بين حجيّة جميع الظّنون أو الظّنون الخاصّة من دون مرجّح لأحد الوجهين لزم البناء على حجيّة الجميع لتساوي الظّنون إذا في نظر العقل وبطلان التّرجيح من غير مرجّح قاض بالتّعميم وأمّا إذا كان البعض من تلك الظّنون مقطوعا بحجيّته على فرض حجيّة الظّن في الجملة دون البعض الآخر تعيّن ذلك البعض للحكم بالحجيّة دون الباقي فإنّه القدر اللّازم من المقدّمات المذكورة دون ما عداه إذ حكم العقل بحجيّة الكلّ على ما ذكر ليس من جهة انتفاء المرجّح بينها بحسب الواقع حتّى يجب الحكم بحجيّة الجميع بل إنّما هو من جهة عدم علمه بالمرجّح فلا يصح له تعيين البعض للحكم بالحجيّة دون البعض من دون ظهور مرجّح عنده فيتعيّن عليه الحكم بحجيّة الكلّ بعد القطع بعدم المناص عن الرّجوع إليه في الجملة فعموم الحكم إنّما يجيء حينئذ من جهة الجهل بالواقع ولا يجري ذلك عند دوران الأمر بين الأخصّ والأعمّ على نحو ما هو المفروض في المقام لثبوت حجيّة الأخصّ حينئذ على التّقديرين فبعد ثبوت حجيّة الظن في الجملة لا كلام إذن في حجيّة الأخصّ وإنّما التّأمّل في حجيّة الباقي حينئذ فكيف يسوغ للعقل أن يحكم بجواز الرّجوع إلى الباقي مع الاكتفاء بتلك الظّنون في استعلام الأحكام إذ المفروض كون حجيّة الأخصّ حينئذ مقطوعا بها عند العقل وحجيّة الباقي مشكوكة بل الضّرورة العقليّة قاضية بترجيح الأخصّ والاقتصار عليه في مقام الجهل حتّى يتبيّن له حجيّة غيره من الظّنون ( فإن قلت ) إنّ الظّنون الخاصّة لا معيار لها حتّى تؤخذ بها على مقتضى التّعيين المفروض لحصول الخلاف في خصوصيّاتها ودوران الأمر بين الأخذ بالكلّ والبعض المبهم لا ينفع في المقام لوضوح عدم إمكان الرّجوع إلى المبهم والمفروض أنّه لا دليل على شيء من خصوص الظّنون ليكون مرجعا بالخصوص فيلزم الحكم بحجيّة الجميع لانتفاء المرجّح عندنا ( قلت ) لا بدّ في حكم العقل حينئذ من الأخذ بأخصّ الوجوه ممّا اتّفق عليه أهل الظنون الخاصّة بأن لا يحتمل الاقتصار على ما دونه بناء على القول المذكور إن اكتفي به في دفع الضّرورة ويترك الباقي ممّا وقع الخلاف فيه فلا يثبت بالقضيّة المهملة حينئذ ما يزيد على ذلك وإن لم يكتف بالقدر المعلوم لاستنباط الأحكام أخذ بالأخصّ بعده أخذا بمقتضى المقدّمات المذكورة وجريا على مفاد الدّليل المذكور بعينه بالنّسبة إلى ما بعده فإن لم يكشف أيضا أخذ بالأخصّ بعده لعين ما ذكر إلى أن يدفع به الضّرورة ويترك الباقي بعد ذلك هذا إذا كانت الظّنون متداخلة وأمّا إذا كانت متباينة بأن يكون أرباب الظّنون