ومنها : الآيات الناهية عن إلقاء النفس في التهلكة ، مثل قوله :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
« 1 » .
ومنها : الآيات الآمرة بالتقوى ، مثل قوله :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
« 2 » .
ولا دلالة في جميع هذه على ما يدّعون من لزوم ترك محتمل التحريم .
أمّا الأولى ، فالقول بغير علم وإن كان محرّما إلّا أنّه مشترك بين الطائفتين ، فكما يكون القول بالبراءة محرّما إذا كان قولا بغير علم فكذلك القول بالاحتياط محرّم إذا كان قولا بغير علم ، مع أنّ القائل بالبراءة مستند إلى الحجّة ، وهي قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو حديث الرفع أو غيرهما ممّا سطرناه ، فلا يكون قوله بالبراءة قولا بغير علم .
وأمّا الثانية ، فلو سلّم شمول التهلكة للعقاب إلّا أنّ القائل بالبراءة مستند إلى ما يرتفع بسببه العقاب ، فإنّ القائل بالبراءة لا يحتمل العقاب أصلا بلحاظ قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو حديث الرفع أو غيرهما ، فلا يكون الترخيص إلقاء للنفس بالتهلكة أصلا .
وإن كان المراد عدم جواز إلقاء النفس في المفسدة الواقعيّة ففيه أنّه لا دليل على النهي عن إلقاء النفس في المفسدة الواقعيّة مع وجود المرخّص والمؤمّن من العقاب قطعا ، مع أنّه حينئذ جار في الشبهة الموضوعيّة مع اتّفاق الأخباريّين على جواز ارتكابها .
وأمّا الثالثة ، فليس في ارتكاب محتمل التحريم مع وجود المرخّص الشرعي والعقلي من أدلّة البراءة مخالفة للاتّقاء أصلا .
نعم ، لو أريد من الاتّقاء اتّقاء المفسدة وإن لم يكن في ارتكابها عقاب أصلا ، فمعلوم أنّ ترك المفسدة حينئذ ليس بواجب وإنّما هو راجح ومن مراتب التورّع .
هامش
( 1 ) البقرة : 195 .
( 2 ) آل عمران : 102 .