تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الوجوه والجهات في فعل واحد لا يجعل منه العديد من الأفعال المتباينة بمقدارها وحسبها بحيث يكون كل فعل من فصيلة الجهة التي التحمت به والتصق هو بها ، بل يبقى الفعل كما كان على واقعه وهويته بلا تغيير وتبديل ، ولا تقليم وتطعيم ، بل ولا رفيق مجاور مقارن . . غاية الأمر ان الفعل يحكم عليه بحكم الجهة التي اتحدت معه والتصق هو بها ، فإذا كانت إحدى الجهات العارضة الطارئة محرمة كالغصب والثانية واجبة كالصلاة - يكون الفعل واجبا لهذه ومحرما لتلك ، ومعنى هذا ان الشيء الواحد مطلوب فعله وتركه في آن واحد ، وهو محال ، للتكليف بما لا يطاق . ولما كان السبب الموجب لهذا التكليف المستحيل هو الشارع الذي أوجب وحرّم وليس عجز المكلف في مقام الامتثال وتزاحم الفعلين ، لما كان ذلك تحتم علينا أن نجري عملية التعارض بين الحكمين المتنافرين في هذا الفعل بالخصوص وليس عملية التزاحم بين الفعلين المتضادين عند الطاعة والأداء .

من أدلة المجيزين

أما القائلون بجواز الاجتماع بالمعنى السابق فقد استدلوا بكلام غريب عن الحس ، بعيد عن الفهم ، ولكنه موجه بمنطق العقل كما يبدو للوهلة الأولى ، ويتلخص هذا الكلام بأن الأمر والنهي قد تعلقا بطبيعتين مختلفتين لا صلة بينهما ولا اتحاد ، ومن الواضح ان المطلوب هو طبيعة الشيء بخصائصها ، أما مزايا الفرد الخارجي وخصائصه فلا تكليف بها سلبا ولا إيجابا . فإذا أوجد المكلف الطبيعتين في مورد واحد ، كما لو صلى في دار الغصب فلا تتحول الصلاة عن هويتها إلى الغصب ، ولا الغصب يتحول عن حقيقته إلى الصلاة ، ولا يتحد أحدهما مع الآخر ، ولا يسري أمر الصلاة إلى الغصب ، ولا نهي الغصب إلى الصلاة ، بل يبقى كل منهما على ما كان من قبل غاية الأمر أن المكلف قرّب بينهما وجمع شملهما في صلاة بأرض السلب والنهب - لا جوزي بخير - ويترتب على ذلك أن ما تعلق به الأمر ، بالنسبة إلى الصلاة في مكان الغصب ، غير ما تعلق به النهي ، وهذا غير ذاك ، وان المكلف قد وافق الأمر بالصلاة المجاورة للغصب ، وخالف النهي بالغصب الكائن إلى جنب الصلاة فاستحق الثواب على طاعة الأمر ، والعقاب على معصية النهي .