تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
لم يكن كذب كلّ من الدليلين مستلزما لصدق الآخر ، وإلا رجعنا إلى إناطة حجّيّة كلّ منهما بصدق نفسه وهو غير معقول . ثمّ إنّ هذه الحجّيّة التخييريّة بالشرط الذي ذكرناه وهو ألّا يكون الآخر صادقا بل يكون كاذبا ، لا تنافي في إثباتها لحجّتين مشروطتين بهذا الشرط كلّ واحدة منهما منصبّة على أحد الخبرين ؛ لأنّ هاتين الحجّتين لن تصلا معا إلى المكلّف ؛ لأنّه إذا وصلت الحجّيّة التخييريّة المتعلّقة بالخبر الأوّل فهذا فرع أن يتحقّق شرطها وهو ألّا يكون الخبر الآخر صادقا بل كاذب ، فمع كذبه أو عدم صدقه لن تشمله الحجّيّة التخييريّة المتعلّقة به ، بمعنى أنّها ليست واصلة إلى المكلّف ؛ لأنّه كاذب أو غير صادق بحسب الفرض ، والحجّيّة إنّما تنصبّ على الخبر الذي لا يعلم كذبه ، وأمّا معلوم الكذب فهو ليس بحجّة بمعنى أنّه خارج عن دائرة الحجّيّة تخصّصا . ثمّ إنّه لا محذور في ثبوت هذه الحجّيّة التخييريّة لكلّ واحد من الخبرين إذا لم يكن كذب كلّ منهما مستلزما لصدق الآخر كالنقيضين ، كما إذا قيل : ( تجب صلاة الجمعة ) ، وقيل : ( لا تجب صلاة الجمعة ) ، فإنّه إذا صدق أحدهما ارتفع الآخر لا محالة ، وإذا كذب أحدهما تعيّن صدق الآخر لا محالة ، ومعه لا معنى لثبوت حجّيّته التخييريّة ؛ لأنّه إمّا معلوم الصدق فهو حجّة لنفسه وإمّا معلوم الكذب فهو خارج عن دائرة الحجّيّة بنفسه . ومن هنا كانت الحجّيّة التخييريّة - بمعنى أن يكون كلّ منهما حجّة بشرط كذب الآخر - غير معقولة ؛ لأنّه إذا كذب الآخر تعيّن صدق نقيضه ، فيكون مرجع الحجّيّة التخييريّة حينئذ إلى أنّ الخبر حجّة إذا كان صادقا في نفسه وهذا لغو واضح وتحصيل للحاصل ؛ لأنّه إذا علم صدقه أو كانت حجّيّته مشروطة بصدقه فلا معنى لها . نعم ، إذا كان التنافي بينهما بنحو التضادّ كما إذا قيل : ( تجب صلاة الجمعة ) ، وقيل : ( تحرم صلاة الجمعة ) ، فهنا كذب أحدهما لا يستلزم صدق الآخر ؛ لأنّه إذا علم بأنّها غير واجبة فلا يتعيّن كونها محرّمة ، بل قد تكون مستحبّة أو غير ذلك . وبهذا يظهر أنّ جعل الحجّيّة التخييريّة بمعنى أنّ كلّ واحد من الخبرين حجّة بشرط ألّا يعلم بصدق الآخر معقولة في نفسها ، ولا يلزم منها التنافي في ثبوت الحجّتين ؛ لأنّهما لن يصلا معا فلا يلزم اجتماع الضدّين .