أمّا الأحكام الظاهريّة المجعولة في مقام الشكّ في الحكم الواقعي فقد وقعت محلّا للبحث الواسع بين الأصوليّين بين مؤيّد ومنكر لها . وهناك عدّة اعتراضات تبيّن أن جعل الأحكام الظاهريّة مستحيل وغير ممكن الوقوع . ويمكن تلخيص هذه الشبهات التي جعلوها براهين على الاستحالة بثلاثة ، يطلق عليها شبهات ابن قبة .
وفي الحقيقة كان لهذه الشبهات والاعتراضات الأثر الكبير على علم الأصول حيث نقّحت مسائله وأدّت إلى تطوير وتوسيع البحث فيه . فكان لها دور مهم في ذلك ، وهذه الشبهات هي :
الأولى : إنّ جعل الحكم الظاهري يؤدّي إلى اجتماع الضدّين أو المثلين ؛ لأنّ الحكم الواقعي ثابت في فرض الشكّ بحكم قاعدة الاشتراك المتقدّمة ، وحينئذ فإن كان الحكم الظاهري المجعول على الشاكّ مغايرا للحكم الواقعي نوعا كالحليّة والحرمة لزم اجتماع الضدّين ، وإلا لزم اجتماع المثلين .
مفاد هذه الشبهة أنّ جعل الحكم الظاهري يؤدّي إلى المستحيل فهو غير ممكن ؛ وذلك لأنّه إمّا أن يؤدّي إلى اجتماع الضدّين أو إلى اجتماع المثلين وكلاهما محال ، إذن جعله محال أيضا ؛ لأنّ ما يؤدّي إلى المحال محال كذلك . وبيان هذه الاستحالة :
إنّه بناء على القول الصحيح من كون الأحكام مشتركة بحقّ العالم بها والجاهل لازمه أنّ الحكم الواقعي ثابت ولا يتغيّر حتّى في فرض الجهل والشكّ به ، وحينئذ ففي فرض الشكّ يكون الحكم الواقعي ثابتا إلا أنّ الشاكّ لا يعلم به ، ولذلك يجري الأصول أو الأمارات لتحديد وظيفته اتّجاه هذا الواقع المشكوك . فإن أدّى إجراؤه للحكم الظاهري إلى إثبات حكم آخر مغاير للحكم الواقعي في نوعه كأن يكون الحكم الواقعي الحرمة ، ويكون مؤدّى الحكم الظاهري الحليّة أو العكس ، فهنا سوف يجتمع حكمان متضادّان على واقعة واحدة وهذا مستحيل ؛ لأنّه في الواقعة الواحدة لا يوجد إلا حكم تكليفي واحد لا حكمان . وإذا أدّى الحكم الظاهري إلى إثبات حكم مماثل للحكم الواقعي كأن يكونا معا واجبين فيؤدّي إلى اجتماع المثلين وهو محال أيضا ؛ لأنّه تحصيل للحاصل فيكون جعله لغوا . ففي كلا الحالين لا مجال لجعل الحكم الظاهري ؛ لأنّه يؤدّي إلى المحال « 1 » .
هامش
( 1 ) وهذا الإشكال إنّما يرد على القول بالتخطئة كما هو الصحيح عندنا . وأمّا على القول . . .