تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
بالوجوب ؛ لأنّه أمر ولم يتّصل به ترخيص ، فإذا جاء بعد ذلك ترخيص منفصل من قبيل ( لا يجب إكرام العلماء ) أو ( يجوز ترك إكرام العلماء ) فهنا سوف يقع التنافي بين حكم العقل بالوجوب وبين هذا الدليل الشرعي الدالّ على الترخيص والإباحة . فإنّ العقل يحكم بالوجوب وينفي كلّ ما عداه ، بينما الدليل المنفصل يدلّ على الترخيص وينفي كلّ ما عداه ، إلا أنّه من الواضح أنّ حكم العقل إذا تمّ موضوعه فهو حكم قطعي ؛ لأنّ موضوعات الأحكام العقليّة بمثابة العلل ، فإذا تمّ الموضوع فالعلّة موجودة فلا بدّ من ترتّب المعلول عليها وهو الوجوب ، ويستحيل الحكم بالترخيص . فيكون هذا الدليل المنفصل غير صادر من الشارع أصلا إن كان ظنّي السند . وأمّا إن كان قطعي السند فلا بدّ من تأويله بحيث ينجسم مع حكم العقل القطعي ، وهذا معناه أنّه يمتنع الأخذ بهذا الدليل المنفصل الدالّ على الترخيص ؛ لأنّه مناف مع حكم العقل القطعي . وهذه النتيجة لا يقول بها أحد حتّى الميرزا نفسه ؛ لأنّ الفقهاء وغيرهم يلتزمون بالقرائن المنفصلة وكونها قرينة على تحديد المراد من الكلام الصادر من المتكلّم ، ومفسّرة للمراد الجدّي من كلامه السابق ، بل إنّ القرائن المنفصلة واعتماد الشارع عليها كثيرة جدّا حتّى قيل : إنّه ( ما من عامّ إلا وقد خصّ ) فوجود المخصص المنفصل إذا دليل وكاشف على أنّ حكم العقل بالوجوب بالنحو المذكور غير صحيح ؛ لأنّ الشارع لا يصدر منه ما يخالف الحكم القطعي للعقل . وأمّا الثاني فلأنّه يستلزم عدم إحراز الوجوب عند الشكّ في الترخيص المنفصل واحتمال وروده ؛ لأنّ الوجوب من نتائج حكم العقل بلزوم الامتثال ، وهو معلّق بحسب الفرض على عدم ورود الترخيص ولو منفصلا ، فمع الشكّ في ذلك يشكّ في الوجوب . وأمّا الاحتمال الثاني بأن يكون عدم الترخيص هو عدم الترخيص واقعا سواء المتّصل أو المنفصل ، فيلزم منه الإهمال والإجمال ، وذلك فيما إذا ورد أمر ( أكرم العالم ) واحتمل صدور الترخيص ولو منفصلا ، لكنّه لم يصل إلى المكلّف لظروف وأسباب كنسيان الراوي لما ذكره الإمام مثلا ، أو لضياعه مع الإشارة إلى ذلك ، فهناك أمر صادر وهناك ترخيص مشكوك ، ولكن يحتمل كونه صادرا أيضا .