ففي عالم الاعتبار المحض - أي بغض النظر عن الملاك والإرادة - تستطيع أن تعتبر أي قانون تريد ، ويمكن لك أن تدوّن أي حكم تشاء ، اترك ورقة وقلم عند الطفل وقل له : " اكتب أي قانون تريد ! " ، فيكتب : " أولا يجب سجن أبي عشر سنوات ، وثانيا يجب ضرب أمي عشرين ضربة ، وثالثا يجب شنق أخي الكبير لأنه ضربني ، ورابعا يجب سحب شعر أختي الكبيرة لأنها لا تعطيني لعبتها " ، فهذه القوانين التي تكتب وتدوّن من قبل الطفل تكون في الواقع بلا ملاك وإرادة ، نعم يوجد عنده ملاك خاص وإرادة خاصة ما أنزل اللّه بها من سلطان ، وتستطيع أنت أن تكتب قوانين لإدارة العالم ، ففي عالم الاعتبار والصياغة مع قطع النظر عن الملاك والإرادة لا يوجد تضاد بين الأحكام التكليفية ، فتستطيع أن تعتبر ما تريد من الأحكام المتضادة ، وتستطيع أن تعتبر الشيء الواحد واجبا وحراما في نفس الوقت لأن الاعتبار سهل المئونة ، فيستطيع أن يقول : " يجب شرب الخمر ويحرم شرب الخمر " ، والاعتبار كاشف عن الملاك والإرادة ، فإذا لا توجد مبادئ للحكم فإن الاعتبار لا يكشف عن شيء ، ومثل قوانين الطفل لا تكشف عن شيء .
بعبارة أخرى : في مرحلة الاعتبار يوجد تدوين الحكم فقط ، فإذا نظرنا إلى الاعتبار مجردا عن الملاك والإرادة فمن الممكن اعتبار أي أمر واعتبار أمور متضادة في نفس الوقت ، مثلا يستطيع المولى أن يعتبر أحكاما متضادة ، فيقول مثلا : " أيها المكلف أنا أعتبر أن الخمر حرام ، وفي نفس الوقت أعتبر أن الخمر مباح " ، أو " أعتبر أن الصلاة واجبة ومحرمة في نفس الوقت " ، هذا إذا لم يعبّر الاعتبار عن الملاك والإرادة ، والإنسان يستطيع أن يعتبر ما يشاء ، مثلا يمكن أن يعتبر أن الأبيض أسود ، ويعتبر أن الشاة بقرة ، وأما
دروس في اصول الفقه ( توضيح الحلقة الثانية ) — صفحة 205
مساهمون: محمد حسين الأشكناني
ص٢٠٥