تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في اصول الفقه ( توضيح الحلقة الثانية ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
سائر المجالات متروك إلى الفقهاء من الناس ليشرّعوا الأحكام على أساس الاجتهاد والاستحسان بشرط أن لا يعارضوا في تشريعهم تلك الأحكام الشرعية المحدودة الموجودة في الكتاب والسنة ، ونتج عن فكرة نقص التشريع الإلهي القول بالتصويب .

القول بالتصويب :

ولما عمل فقهاء مدرسة الرأي بالترجيحات والظنون والاستحسانات كان من الطبيعي أن تختلف الأحكام التي يتوصّلون إليها تبعا لاختلاف أذواقهم وطرق تفكيرهم ، فهذا يرجّح الحرمة لأن الفعل فيه ضرر ، وذاك يرجّح الإباحة لأن في ذلك توسعة على العباد ، ومن هنا يأتي السؤال التالي : هل كل الفقهاء مصيبون للواقع أو أن المصيب واحد والباقون مخطئون ؟ وشاع عندهم أنهم جميعا مصيبون لأن اللّه عزّ وجل ليس له حكم ثابت عام في مجالات الاجتهاد التي لا يتوفّر فيها النص ، وإنما يرتبط تعيين الحكم بتقدير المجتهد وما يؤدّي إليه رأيه واستحسانه ، وهذا هو القول بالتصويب . وهذا التطوّر في فكرة نقص الشريعة الإلهية جعل عمل الفقيه عملا تشريعيا لا اكتشافيا لأنه لا يوجد حكم شرعي ثابت ليكشف عنه الاجتهاد ، ونحن إلى هنا كنا نتحدّث عن العقل والإدراك العقلي بوصفه وسيلة إثبات أي بوصفه كاشفا عن الحكم الشرعي كما يكشف عنه البيان في الكتاب والسنة ، وهكذا يتحوّل الاجتهاد على ضوء القول بالتصويب إلى مصدر تشريع ويصبح الفقيه مشرّعا للأحكام . وخاض المعركة مدرسة أهل البيت عليهم السلام ضدّ هذا الاتجاه ، وهي في حقيقتها معركة للدفاع عن الشريعة وتأكيد كمالها واستيعابها وشمولها