وبعد ذلك اتسع معنى الاجتهاد ليشمل عملية الاستنباط بكل ألوانها ، فدخلت في الاجتهاد كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي من الأدلة المحرزة التي تسمى ب ( الأدلة الاجتهادية ) ، أو تحديد الوظيفة العملية مباشرة من الأصول العملية التي تسمى ب ( الأدلة الفقاهية ) ، وهكذا أصبح الاجتهاد يرادف عملية الاستنباط ، وبالتالي أصبح علم الأصول العلم الضروري للاجتهاد لأنه العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط المواقف العملية .
ويتبين من ذلك أن كلمة " الاجتهاد " مرت في تطورها بأربعة معاني :
1 - الرجوع إلى التفكير الشخصي والذوق والرأي الخاص وجعله مصدرا من مصادر التشريع إلى جنب الكتاب والسنة .
2 - بذل الجهد لاستخراج الحكم الشرعي من أدلته إلا ما يستفاد من ظاهر النص .
3 - بذل الجهد لاستخراج الحكم الشرعي من أدلته مطلقا حتى ما يستفاد من ظاهر النص .
4 - بذل الجهد لتعيين الموقف العملي سواء كان حكما شرعيا بواسطة الأدلة المحرزة أم كان وظيفة عملية عن طريق الأصول العملية .
وعلى هذا الضوء يمكننا أن نفسر موقف بعض علمائنا الأخيار قدست أسرارهم ممن عارضوا كلمة " الاجتهاد " بما تحمل من تراث المصطلح الأول الذي شن أهل البيت عليهم السلام حملة شديدة عليه ، وهو يختلف عن الاجتهاد بالمعنى الثاني ، ومع التمييز بين المعنيين نستطيع أن نعيد إلى المسألة بداهتها ، ويتضح بذلك جواز الاجتهاد بالمعنى الثاني المرادف لعملية
دروس في اصول الفقه ( توضيح الحلقة الثانية ) — صفحة 154
مساهمون: محمد حسين الأشكناني
ص١٥٤