وجود الطبيعة يكون بوجود فرد واحد ، وعدمها لا يكاد يكون إلّا بعدم الجميع ، فدلالة النهي على الاستمرار إنّما هي بحكم العقل ، فالطبيعة توجد بوجود فرد ما ، ولا تنعدم إلّا بانعدام جميع الأفراد ، كما هو المعروف .
ويتبادر في الذهن صحّة هذا المعنى في بادئ النظر ، ولكن المسائل العقليّة لا تكون قابلة للإغماض ، فهل يصحّ هذا المعنى عقلا أم لا ؟ والتحقيق : أنّه على فرض صحّته يصحّ على مبناه فقط ، لا على القول بأنّ الأمر عبارة عن السوق والتحريك والبعث الاعتباري إلى إيجاد الطبيعة ، والنهي عبارة عن المنع والزجر الاعتباري عن إيجاد الطبيعة ، مع أنّه لا يصحّ على مبناه أصلا .
توضيح ذلك : أنّ المحقّقين - ومنهم صاحب الكفاية قدّس سرّه - يقولون : إنّ وجودا واحدا من وجودات الطبيعة يكون تمام الماهيّة وتمام الطبيعة ، مثلا حمل الإنسان على زيد في قضيّة زيد إنسان حمل الشائع الصناعي ، فزيد هل هو تمام الإنسان أو حصّة من الإنسان ؟ ومعلوم أنّه إنسان كامل من حيث الماهيّة الإنسانية ، وزيد وبكر مثلا إنسانان كاملان ، فإذا صار زيد موجودا بعد ما لم يكن موجودا صار الإنسان موجودا ، كما أنّه إذا صار بكر موجودا صار إنسان آخر موجودا ، فوجد إنسانان ، وإذا كان الأمر في ناحية الوجود كذلك يكون في ناحية العدم أيضا كذلك ، يعني إذا صار زيد معدوما صار الإنسان معدوما .
توضيح ذلك : أنّه إذا كان وجود فرد واحد وجود تمام الماهيّة ، فيرجع تعدّد الوجودات إلى تعدّد الطبيعة ، وقد مرّ في المنطق أنّ نسبة الكلّي الطبيعي إلى الأفراد عبارة عن نسبة الآباء إلى الأولاد ، لا نسبة أب واحد إلى الأولاد ، فكلّ واحد من الوجودات وجود مستقلّ من الطبيعة .
ومن المعلوم أنّ الوجود والعدم أمران متناقضان ، ولا يمكن اختلافهما في الوحدة والتكثّر ، فكيف يصحّ القول في ناحية الوجود أنّ للطبيعة وجودات متعدّدة حسب
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 7
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٧