الذهن له صورتان : الصورة الصلاتيّة والصورة الغصبية ، أحدهما متعلّق الحبّ النفساني ، والآخر متعلّق البغض النفساني ، فمقايسة هذه المسألة مع السواد والبياض ليس بصحيح .
بل قد يتحقّق في الموجود الخارجي جهة معلومة ، وجهة مجهولة مثلا إذا رأينا شبها من البعيد بعد إحراز حيوانيّته والشكّ في إنسانيّته وفرسيّته يكون الموجود الخارجي معلوما لنا ومجهولا معا ؛ إذ المعلوم هي صوّرت جنسيّته المرتسمة في النفس ، والمجهول صوّرت فصليّته المرتسمة فيها ، مع أنّه لا يمكن خارجا تحقّق الجنس بدون الفصل ، وبالعكس ، فإذا أمكن التفكيك بين صورة الفصليّة وصورة الجنسيّة .
فالتفكيك بين صورة الصلاتية وصورة الغصبية بطريق أولى بمكان من الإمكان .
والفرق الآخر بين مسألة السواد والبياض وما نحن فيه أنّ اجتماع السواد والبياض في جسم واحد في آن واحد لا يمكن بأيّ وجه من الوجوه ، ولو من جهة أشخاص متعدّدة ، وأمّا اجتماع الحبّ والبغض في شيء واحد من جهة واحدة فلا يمكن بالنسبة إلى شخص واحد ، وأمّا بالنسبة إلى شخصين فلا شكّ في جواز اجتماعهما ، فلا يثبت بهذا الطريق القول بالامتناع .
إن قلت : إنّ وجود الأمر كاشف عن وجود المصلحة الملزمة في المأمور به ، ووجود النهي كاشف عن وجود المفسدة الملزمة في المنهيّ عنه ، ويستلزم القول بجواز اجتماع الأمر والنهي أن يتحقّق في وجود واحد مصلحة ملزمة ومفسدة ملزمة معا ، والحال أنّ التضادّ بين المصلحة والمفسدة مثل التضادّ بين السواد والبياض .
قلت : إنّه لا بدّ من ملاحظة المقيس عليه في الابتداء ، بأنّ الموضوع في قضيّة الجسم أبيض لا تكون ماهيّة الجسم ؛ إذ لا يتحقّق التضادّ في مرحلة الماهيّة كما مرّ تفصيله ، بل الموضوع هو الجسم الخارجيّ المتخصّص بخصوصيّات الفردية ، فلذا نقول : هذا الجسم مع اتّصافه بالبياض لا يعقل اتّصافه بالسواد في آن واحد ، فيعرض
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 56
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٦