الاحتياط - كما في المورد - فلا مجرى للبراءة .
والناظر إلى هذا الوجه لا يدّعي أنّ حكم العقل بلزوم الاحتياط في المقام بيانٌ ؛ فينتفي معه موضوع البراءة ليورد عليه باستلزام ذلك الدور ، كما قرّر في محلّه .
بل هو يدّعي قصور دليل البراءة النقلية عن شمول مثل المورد .
نعم ، ذلك مخصوص بالقيود غير المغفول عنها غالباً ؛ ليصحّ الاتّكال على حكم العقل ، كالمقام فإنّ قيد الدعوة فحيث إنّها ملتفت إليها - حسب الفرض - فيجوز للحكيم أن يتّكل في مقام استيفاء غرضه منها على حكم العقل بلزوم الاحتياط في مورد الشكّ في شيء منها « 1 »
. وفيه : أنّه لا وجه لدعوى قصور أدلّة البراءة النقلية أصلًا ، ولا انصرافها عنه بعد كون الموضوع قابلًا للوضع والرفع ؛ وذلك لأنّ الانصراف لا بدّ له من منشأ معتدّ به ، والظاهر عدمه .
ثمّ إنّه لو صحّ دعوى الانصراف فالأولى دعواه بالنسبة إلى ما لا يحكم العقل بالاشتغال ، بل يحكم بقبح العقاب بلا بيان ؛ لأنّ ظاهر الخطاب هو المولوية والتأسيس ، لا الإرشاد والتأكيد .
وبالجملة : يمكن دعوى الانصراف في نحو حديث
« رفع عن امّتي تسعة :
- إلى أن قال -
ما لا يعلمون . . . »
إلى آخره « 2 » ، الذي هو الدليل المعتمد عليه في البراءة النقلية ؛ إذ ظاهره الامتنان على الامّة ، وهو إنّما يلائم الموارد المحكوم عليها بالاشتغال . وأمّا الموارد التي يحكم العقل الصريح بقبح العقاب فيها فالمسلم وغيره فيه شرع سواء ، هذا .
هامش
( 1 ) - بدائع الأفكار 1 : 243 - 244 .
( 2 ) - الخصال 2 : 417 / 9 ، التوحيد : 353 / 24 ، وسائل الشيعة 11 : 295 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحديث 1 .