حفظ نفس المؤمن علّة للحكم بالاحتياط ؛ لأنّ أهمّيّة ذلك أوجبت الاحتياط ، فلا يمكن أن يبقى وجوب الاحتياط في مورد الشكّ ؛ مع عدم كون المشكوك ممّا يجب حفظ نفسه .
ومن ذلك يظهر : أنّه لا مُضادّة بين إيجاب الاحتياط وبين الحكم الواقعي ، فإنّ المشتبه إن كان ممّا يجب حفظ نفسه واقعاً ، فوجوب الاحتياط يتّحد مع الوجوب الواقعي ، وهو هو ، وإن لم يكن المشتبه ممّا يجب حفظ نفسه ، فلا يجب الاحتياط ؛ لانتفاء علّته ، وإنّما يتخيّل المكلَّف وجوبه ؛ لعدم علمه بحال المشتبه .
هذا كلّه إذا كانت مصلحة الواقع تقتضي جعل المتمِّم من إيجاب الاحتياط ، وإن لم تكن المصلحة الواقعيّة بتلك المثابة من الأهميّة ؛ بحيث يلزم للشارع توبيخُه على تشريعه وإسناده إلى المولى ما لا يعلم أنّه منه ، فإنّ ذلك تصرّف في سلطنته أو بلسان الوضع ، كقوله عليه السلام :
( كلّ شيء لك حلال . . . )
« 1 » ، فإنّ المراد من الرفع في
( رُفع ما لا يعلمون )
ليس رفع التكليف عن موطنه ؛ حتى يلزم التناقض ، بل رفع التكليف عمّا يستتبعه من التبعات وإيجاب الاحتياط ، فالرخصة المستفادة من قوله عليه السلام :
( رفع ما لا يعلمون )
« 2 » ، نظير الرُّخصة المستفادة من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، فكما أنّ الرُّخصة التي تُستفاد من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، لا تُنافي الحكم الواقعي ولا تضادّه ، كذلك الرُّخصة المستفادة من قوله عليه السلام :
( رُفع ما لا يعلمون )
. والسرّ في ذلك : أنّ هذه الرُّخصة في طول الحكم الواقعي ؛ لأنّها في عرض المنع والحرمة المستفادة من إيجاب الاحتياط ، وقد عرفت أن إيجاب الاحتياط في
هامش
( 1 ) - الكافي 6 : 339 / 2 ، وسائل الشيعة 17 : 91 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، الحديث 2 .
( 2 ) - الخصال : 417 / 9 ، التوحيد : 353 / 24 ، وسائل الشيعة 11 : 295 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحديث 1 .