شمول نواهي القياس للمقام خلاف الإنصاف ، بل الأمر بالعكس - كما عرفت - ، ثمّ إنّ مقتضى ما ذكره من انصراف النواهي إلى غير مقام الترجيح من باب معهوديّة « 1 » عدم دلالتها على حرمة الترجيح ، فلا وجه لدعوى أنّه جمع دلالي ، بل هو في الحقيقة بيان لعدم الدلالة من هذا الطرف ، وتماميّة دلالة أخبار الترجيح ، مع أنّه خلاف الإنصاف ، فإنّ قوله عليه السّلام « إنّ دين اللّه لا يصاب العقول » كالصريح في عدم الاعتناء بالقياس ، ودعوى الانصراف إلى المعهود فرع كون المعهود خصوص جعله دليلا وهو ممنوع ، إلا أن يقال : يكفي احتمال الاختصاص ، لكنّ هذه الدعوى فرع كون العموم حكميّا ؛ وهو ممنوع كما عرفت .
ثمّ إنّ ما ذكره من أنّه على فرض عدم تقديم الجمع على الترجيح نحكم بالتوقف في المسألة الأصوليّة - أعني مقام الاجتهاد - ونرجع إلى التخيير في مقام العمل بالخبرين لا وجه له ، إذ مقتضى القاعدة التخيير بين أخبار الترجيح وبين النواهي ، ولعلّ ما ذكره مبنيّ على ما اختاره سابقا من أنّ أخبار التخيير لا تشمل الخبرين القطعيين « 2 » ، والمفروض في المقام قطعيّة الطرفين ، وقد عرفت التعميم سابقا « 3 » .
ثم لا وجه لعدم تقديم الجمع الدلالي على الرجوع إلى المرجّحات ؛ خصوصا في مفروض المقام ، الذي لا يرجع إليها ؛ لقطعيّة سند الطرفين ، فإنّه لا معدل عن الجمع بين القطعيين وإن كان أحدهما أظهر من الآخر ؛ مع أنّك قد عرفت أنّه ليس جمعا في الحقيقة ، بل مقتضى بيانه عدم دلالة النواهي ، فلا معارض لأخبار الترجيح .
ثمّ على فرض التوقف في المسألة الأصوليّة مقتضى القاعدة - بناء على مذهبه - الترجيح بالظن القياسي ، لدوران الأمر بين التخيير والتعيين ، فلا وجه للحكم بالتخيير .
هامش
( 1 ) في نسخة ( د ) : المعهوديّة .
( 2 ) قد ذكر الشيخ أنّ مختاره ذلك في الرسالة : 4 / 17 - 18 .
( 3 ) مرّ في الصفحة : 404 ، 492 .