واستدلّ القائلون بترجيح المخالف ( القول الثاني ) بأنّ المحتاج إلى البيان من جانب الشارع إنّما هو في الغالب ما يكون مخالفاً للأصل ، وهو الوجوب أو الحرمة ، إذ إنّ المباح الموافق للبراءة أو أصالة الإباحة لا يحتاج إلى بيان غالباً ، وهذا ما يوجب حصول الظنّ بأنّ ما صدر من جانب الشارع إنّما هو المخالف للأصل لا الموافق .
والجواب عنه : أنّه أيضاً مبنى على التعدّي من المرجّحات المنصوصة ، وإلّا لا حجّية لمثل هذا الظنّ في مقام الترجيح .
فظهر أنّ الصحيح هو القول الثالث بعد عدم وجود الدليل على ترجيح الموافق أو المخالف .
بقي هنا أمور :
الأمر الأوّل : في أنّ الشهرة على أقسام : الروائيّة والفتوائيّة والعمليّة
أمّا الشهرة الروائيّة فهي اشتهار الرواية بين الرواة والمحدّثين .
وأمّا الشهرة الفتوائيّة فهي عبارة عن فتوى المشهور بشيء وإن كانت الرواية فيه شاذّة .
وأمّا الشهرة العمليّة فهي عبارة عن نفس السيرة العمليّة للمتشرّعة وأصحاب الأئمّة .
ولا إشكال في أنّ النسبة بين الأوّل والثاني هي العموم من وجه ، فقد تتحقّق الشهرة الروائية بالنسبة إلى خبر وتكون فتوى الأصحاب أيضاً على طبقه ، وقد تتحقّق الشهرة الروائيّة من دون الفتوى على طبقها ، وقد تكون القضية بالعكس ، أي تكون الفتوى مطابقة لرواية مع عدم شهرتها روائية .
كما لا إشكال في أنّ النسبة بين الأوّل والثالث أيضاً العموم من وجه ، فقد تكون رواية مشهورة بين الرواة والمحدّثين ، ومعمولًا بها عند الأصحاب والمتشرّعة ، وقد تكون الرواية مشهورة من دون العمل على طبقها ، وقد يكون عمل المتشرّعة مطابقاً لرواية من دون شهرتها بين المحدّثين .
نعم ، النسبة بين الثاني والثالث هي العموم المطلق ، فإنّ فتوى الأصحاب بشيء يلازم عملهم وعمل المتشرّعة على طبقه ، بينما قد يكون عمل المتشرّعة على رواية من دون فتوى