فظهر أنّ الداخل من هذا الحديث في مبحث الاستصحاب هي الفقرة الثالثة والسادسة يقيناً ، والفقرة الرابعة احتمالًا .
لكن أورد عليه إشكالات عديدة لا بدّ من حلّها :
الأوّل : في تعبير الإمام عليه السلام ب « ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ » ، حيث إنّه يستشمّ منه رائحة الاستحباب .
والجواب عنه واضح : لأنّه ورد في مقام الاستدلال على حكم إلزامي ، وهو عدم جواز إعادة الصّلاة ، لظاهر النهي بلسان النفي ، فمقام الاستدلال قرينة على أنّ المراد به عدم الجواز ، وموارد استعمال « لا ينبغي » مختلفة كما يظهر بالرجوع إليها .
الثاني : أنّ الحديث لعلّه في مقام بيان قاعدة اليقين لا الاستصحاب ، أي أنّه يناسب قاعدة اليقين كما يتناسب مع الاستصحاب ، لأنّ لفظ اليقين في قوله عليه السلام : « لأنّك كنت على يقين من طهارتك » كما يحتمل أن يكون المراد منه اليقين بطهارة الثوب من قبل ظنّ الإصابة ( فيكون المورد من الاستصحاب ) كذلك يحتمل أن يكون المراد منه اليقين بالطهارة الذي حصل بالنظر في الثوب مع عدم رؤية شيء ، ثمّ زال برؤية النجاسة بعد الصّلاة لاحتمال حدوثها بعد الصّلاة ( فيكون المورد من قاعدة اليقين لأنّ الشكّ يتسرّى إلى اليقين السابق ) فيصير الحديث مجملًا لا يصلح للاستدلال به على الاستصحاب .
وجوابه واضح أيضاً : فعند التأمّل في الرواية يظهر أنّها ناظرة إلى خصوص الاستصحاب ، وأنّ المستشكل لم يعطها حقّ النظر والدقّة ، فإنّ معيار الاستصحاب وفرقه عن قاعدة اليقين ، ( وهو تغاير زمان متعلّق اليقين والشكّ ) موجود فيها ، حيث عبّر الإمام عليه السلام فيها بقوله : « لأنّك كنت على يقين ثمّ شككت » وهو ناظر إلى سؤال الراوي الذي كان على يقين من طهارته ثمّ شكّ في نجاستها في زمان بعده .
الثالث : أنّ مورد الحديث إنّما هو نقض اليقين بيقين آخر لا نقضه بالشكّ ، فإنّ السائل يقول : « ثمّ صلّيت فرأيت فيه » وهو يعني اليقين بالنجاسة ووقوع الصّلاة بها فإعادة الصلاة من قبيل نقض اليقين باليقين لا نقض اليقين بالشكّ .
ويمكن الجواب عنه بأُمور :
أوّلها ( وهو أحسنها ) أنّ جواب الإمام عليه السلام ناظر إلى أنّ الشرط في صحّة الصّلاة هو الأعمّ
انوار الأصول — صفحة 293
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٩٣