إنشائيّة ، وبمعنى « فليكن » بعيد في الغاية - كما قال به المحقّق الخراساني رحمه الله - لأنّ الإخبار بجملة اسميّة وإرادة الكناية عن الإنشاء لا يكون أمراً مأنوساً عند أهل اللسان ، فلا يقال مثلًا : « أنت آكل » عوضاً عن قوله « كل » ، أو « أنت قائم » كناية عن قوله « قم » ، أو « أنت على يقين » كناية عن « كن على اليقين » ( في ما نحن فيه ) نعم أنّه شائع في الجملة الفعليّة بصيغة المضارع كقوله عليه السلام : « تعيد » بمعنى « أعد » .
وأمّا الثاني منهما ( وهو التفسير الثالث ) فلأنّ لازمه أن يكون الجزاء معطوفاً على شرطه بالواو العاطفة ، وهو واضح البطلان .
هذا - ولو سلّم كون أحدهما مراداً للإمام عليه السلام لكنّه يمكن أيضاً استفادة العموم من الحديث لعدّة قرائن :
الأولى : قوله عليه السلام : « فإنّه على يقين من وضوئه » حيث إنّه إشارة إلى نكتة ارتكازية عند العقلاء ، وهي عدم صحّة نقض شيء محكم وطرده ( وهو اليقين ) بأمر مرهون ضعيف ( وهو الشكّ ) وبعبارة أخرى : تناسب الحكم والموضوع يوجب إلغاء العرف الخصوصيّة عن باب الوضوء .
الثانية : كلمة « أبداً » فإنّها مناسبة لجريان الحكم وسريانه في سائر الأبواب .
الثالثة : ورود قوله عليه السلام : « لا ينقض اليقين بالشكّ » في سائر الأبواب أيضاً ، مثل باب النجاسات والصّلاة والصوم فإنّه بمنزلة قرينة خارجية على عموم الحكم في المقام .
إن قلت : ذكر اليقين قبل هذه الجملة مرّتين وتعلّق في المرّة الأولى بالنوم وفي الثانية بالوضوء ، وحينئذٍ تكون اللام الواردة في كلمة اليقين في هذه الجملة ظاهرة في العهد ، ولازمه اختصاص الحكم بباب الوضوء .
قلنا : قد قرّر في محلّه أنّ الأصل في « اللام » أن تكون للجنس ، ومجرّد وجود متعلّقها في القبل لا غير ، كافٍ لرفع اليد عن هذا الأصل ، فإذا دار الأمر بين كونها للعهد أو الجنس فالترجيح مع الثاني ، إلّا إذا حصل الظهور في العهدية ومجرّد سبق عنوان اليقين غير كافٍ في إثبات هذا الظهور . هذا أوّلًا .
وثانياً : سلّمنا أنّها تكون للعهد ، ولكن العرف يلغي الخصوصية عن باب الوضوء بما مرّ من تناسب الحكم والموضوع ووجود كلمة « أبداً » وغيرهما من القرائن .
انوار الأصول — صفحة 289
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٨٩