مضافا إلى أن الشوق من الأمور النفسية ، ولا يعقل أن يتشخص ما في النفس بدون متعلق ما ، كجميع الأمور النفسية كالعلم والخيال والوهم والإرادة ونحوها ، ولا يعقل أن يتشخص ( 1 ) بما هو خارج عن أفق النفس من الأمور العينية ( 2 ) . فلا بد أن يتشخص بالشيء المشتاق إليه بما له من الوجود العنواني الفرضي ، وهو المشتاق إليه أولا وبالذات وهو الموجود بوجود الشوق لا بوجود آخر وراء الشوق ، ولكن لما كان يؤخذ العنوان بما هو حاك ومرآة عما في الخارج - أي : عن المعنون - فإن المعنون يكون مشتاقا إليه ثانيا وبالعرض ، نظير العلم فإنه لا يعقل أن يتشخص بالأمر الخارجي ، والمعلوم بالذات دائما وأبدا هو العنوان الموجود بوجود العلم ولكن بما هو حاك ومرآة عن المعنون ، وأما المعنون لذلك العنوان فهو معلوم بالعرض باعتبار فناء العنوان فيه .
وفي الحقيقة : إنما يتعلق الشوق بشيء إذا كان له جهة وجدان ( 3 ) وجهة فقدان ( 4 ) ، فلا يتعلق بالمعدوم من جميع الجهات ولا بالموجود من جميع الجهات .
وجهة الوجدان في المشتاق إليه هو العنوان ( 5 ) الموجود بوجود الشوق في أفق النفس باعتبار ما له من وجود عنوان فرضي . وجهة الفقدان في المشتاق إليه هو : عدمه الحقيقي في الخارج ، ومعنى الشوق إليه هو : الرغبة في إخراجه من حد الفرض والتقدير إلى حد الفعلية والتحقيق .
وإذا كان الشوق على هذا النحو : فكذلك حال الطلب والبعث بلا فرق ( 6 ) ، فيكون حقيقة طلب الشيء هو تعلقه بالعنوان لإخراجه من حد الفرض والتقدير إلى حد الفعلية والتحقيق .
شرح
( 1 ) أي : بالشوق .
( 2 ) أي : الأمور الخارجية .
( 3 ) وهي وجوده الذهني .
( 4 ) وهو عدم وجوده الخارجي .
( 5 ) أما المعنون فليس فيه جهة وجدان وجهة فقدان بل هو إما موجود وإما معدوم ، ولذا لا يتعلق به الشوق .
( 6 ) أي : فكذلك حال التكليف فإنّه لا يمكن أن يتعلق بالمعنون لأنّ المعنون إما موجود أو معدوم ، فيلزم طلب الحاصل وتقوّم الموجود بالمعدوم ، فلا بدّ أن يتعلق بالعنوان .