تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
علم بحرمة البيض من هذا القطيع لكنّه يحتمل حرمة جملة من السود أيضاً ، إلّا أنّه احتمال بدوي غير منجّز ، وقد اشتبه البيض بالسود لأجل الظلمة مثلًا ، وقد أقدم على واحدة من ذلك القطيع من دون فحص عن كونها من البيض أو السود ، ثمّ تبيّن له بعد الاقدام أنّها ليست من البيض ، فإنّه لا يكون مستحقّاً للعقاب ، وإن كان حين الاقدام يحتمل أنّها من البيض ، ولم يكن إقدامه المذكور مبرّراً ، لأنّه بلا مستند شرعي ولا عقلي ، لكنّه إنّما يستحقّ العقاب إذا صادف كونها من البيض ، أمّا إذا لم تكن هي من البيض لكن صادف كونها محرّمة في الواقع ، فلا موجب لاستحقاقه العقاب ، لأنّ حرمة ما عدا البيض لم تكن منجّزة عليه حين الاقدام المذكور . اللهمّ إلّا أن يقال : يكفي في صحّة عقابه أنّ إقدامه لم يكن عن مستند شرعي ولا عقلي ، لعدم إمكان إجرائه في ذلك الحال البراءة الشرعية ولا العقلية ، وحينئذٍ فيصحّ للشارع عقابه على مخالفة تلك الحرمة التي صادف الواقع وجودها ، وإن لم تكن منجّزة في نفسها بذلك العلم الاجمالي ، وذلك للاكتفاء في صحّة ذلك العقاب عليها بأنّه لم يكن إقدامه على خصوص تلك الشاة بمسوّغ عقلي أو شرعي ، بل كان ممنوعاً عنه بحسب حكم العقل الناشئ عن علمه الاجمالي بوجود البيض في ذلك القطيع التي يعلم بحرمتها « 1 »
هامش
( 1 ) فهو نظير من قطع بأنّ هذه الشاة موطوءة إنسان فأقدم على أكلها ، ثمّ تبيّن أنّها ليست بموطوءة لكن كانت مغصوبة ، أو تبيّن له أنّها لم تكن تلك الشاة الموطوءة بل كانت أرنباً مثلًا ، بل ما نحن فيه أولى ، لأنّ المثال من قبيل التبيّن من سنخ آخر مغاير لسنخ ما كان قد قطع به من الحرمة ، بخلاف ما نحن فيه فإنّه من قبيل أنّ المتبيّن من سنخ الحرمة التي كانت مقطوعاً به ، أو كانت منجّزة بالعلم الاجمالي . وأوضح مثال لما نحن فيه هو أن يعلم بأنّ إحدى هاتين المرأتين الصغرى والكبرى أُخته مثلًا ، ويحتمل أن تكون الكبرى عمّته ، ثمّ أقدم من دون فحص على تزوّج الصغرى مثلًا ، ثمّ تبيّن أنّ أُخته كانت هي الكبرى التي لم يتزوّجها لكن اتّفق أنّ تلك الصغرى التي تزوّجها هي عمّته . بل الذي يكون عين ما نحن فيه هو احتمال كون الأُخرى أُخته أيضاً ، فهو لو علم بأنّ الكبرى أُخته يحتمل احتمالًا بدوياً أنّ الصغرى أُخته أيضاً . ثمّ إنّه قد يقال بعدم الانحلال قبل الفحص ، بدعوى أنّ المعلوم بالاجمال الأوّلي إنّما ينحلّ بعد الفحص والعثور على ما هو بمقداره ، فإنّ الانحلال ليس أمراً واقعياً بحيث يكون العلم الأوّل منحلا في الواقع إلى مؤدّيات الطرق التي لم نصل إليها بعدُ ، بل الانحلال أمر وجداني تابع للعثور على ما هو بمقدار المعلوم بالاجمال من مؤدّيات الأمارات الموجودة فيما بأيدينا من الكتب . قلت : لا يخفى أنّ توقّف الانحلال على تحقّق الفحص إنّما هو لو أُريد به الانحلال التفصيلي ، أمّا الانحلال الاجمالي بأن يكون المعلوم بالاجمال أوّلًا منحلا إلى المعلوم بالاجمال ثانياً فلا يتوقّف على تحقّق الفحص ، بل يكفي فيه العلم الاجمالي بأنّ في جملة تلك الكتب من الأدلّة المثبتة للتكليف ما يكون بمقدار المعلوم بالاجمال أوّلًا ، ولأجل ذلك نقول : إنّه لو علمنا حين الاقدام بأنّ محلّ الابتلاء لم يكن من جملة ما دلّت عليه تلك الأدلّة ، لكان ذلك كافياً في تسويغ الرجوع إلى البراءة في ذلك وجواز الإقدام عليه [ منه قدس سره ] .
أصول الفقه — صفحة 546 | الشيخ حسين الحلي