تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 622

مساهمون:

ص٦٢٢
وهو أن يقال : لو كان للشارع طريقة جديدة غير ما الناس مجبولون عليه ، ويكون خلافه مغفولا عنه لهم ، والنهي عن العمل بالظنّ على وجه العموم منصرفا عندهم عمّا ارتكز حجيّته عندهم ، أو مخصّصا قطعيا بغيره ، لكان يجب على الشارع التنصيص على إظهار أنّه مريد منهم خلاف هذا الطريق المعمول ، كما هو المشاهد في المرتكزات في الجاهليّة التي خطّأها الشارع بالإبلاغات الصريحة الأكيدة والإيعادات بأنواع العذاب ، فإنّ صرف الأذهان عن ما ارتكز فيها لا يحصل بغير هذا الوجه ولا يمكن الاكتفاء في تبليغه بعموم وإطلاق ، فيلزم على تقدير الاكتفاء في بيانه بهما إغراء عامّة الناس بالقبيح . والحاصل : لو كان احتمال أن تكون الطريقة المجبول عليها من العمل على وفق الاطمئنان الحاصل من قول المخبر غير مرضيّة لدى الشرع وأنّه يحتاج إلى إحراز ذلك حاصلا لعامّة الناس ، كان أدلّة النهي عن العمل بالظنّ صالحة للردع ومحكّمة ؛ إذ المفروض أنّ كلّا من آحاد النوع يحتمل عدم إمضاء الشرع للطريقة التي يمشي عليها في الأمور العادية ، ومن المعلوم أنّ هذه الطريقة إنّما تصير حجّة في الأمور الشرعيّة لو لم ترد تخطئة من الشرع ، فإذا ورد العمومات الناهية عن العمل بالظنّ كان لها الورود وكانت ردعا وتخطئة لهذه الطريقة كما ذكرنا نظيره . ولكنّ الذي سهّل الخطب أنّ الاحتمال غير حاصل إلّا للشاذ القليل من الأشخاص ، فيقوم عند هذا الأشخاص - المحتملين - البرهان على حجيّة الطريقة المألوفة بين أهل العرف . وحاصله أنّ هذه العمومات غير صالحة للردع لصرف أذهان العامّة منها إلى غير مورد ارتكازهم ، ويثبت عدم الرادع من جهة أخرى بلزوم الإغراء بالجهل على تقديره ؛ إذ لو كان واقعا غير راض بالطريقة المألوفة المأنوسة كان الواجب عليه إقامة الدليل بحدّ لا يبقى لأحد تشكيك من كثرة التصريحات المحفوفة بالإنذارات والبيانات المكتنفة بالوعيدات ، فعدم الرادع في مقام الإثبات يصير دليلا على عدمه