تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
والدليل الذي أقاموه على هذا المدّعى وجهان : الأوّل : أنّ اللغوي خبرة في هذا الباب ، وقول الخبرة حجّة . وجوابه أنّ الصغرى وهي خبروية اللغوي في مقام تشخيص الظواهر يمكن أن يمنع حقّ المنع ، وذلك لأنّه ليس وظيفة اللغوي إلّا تتّبع موارد الاستعمال ، فيذكرون عقيب كلّ مادّة معاني عديدة ، ويستشهدون لكلّ معنى ببعض أشعار العرب أو كلام سمعوه من العرب ، فكلّ معنى وجدوا استعمال اللفظ فيه في لسان العرب نقلوه ، وربّما كان في البين قرينة على هذا المعنى ولم ينبّهوا لذلك ؛ لأنّهم ليسوا في هذا المضمار . وبالجملة ، لم يجر ديدنهم على تميّز الحقيقة عن المجاز ، أو المشترك عن الحقيقة والمجاز ، فلم يجدي شيئا لما هو المهمّ لنا وهو كون اللفظ عند التجرّد عن القرينة ظاهرا في المعنى الفلاني ؛ لما مرّ من أنّهم ليسوا بصدد بيان التجرّد عن القرينة والاحتفاف بها ، فلو شككنا من جهة موارد الاستعمال كان للرجوع إليهم وجه ، لأنّهم خبرة هذا المقام . فلو عيّن بعضهم بواسطة بعض الأمارات والعلامات الدالّة على الحقيقة مثل أصالة عدم القرينة ونحوها المعنى الحقيقي عن غيره فهو في هذا التعيين غير خبرة ويكون كواحد منّا ، وخبرويّة هذا المقام إنّما يحصل بالفحص في استعمالات العرب ومحاوراتهم والممارسة لذلك حتّى يحصل له القطع في كلّ مورد مورد بأنّ المعنى الفلاني قد أراده المستعمل من حاقّ اللفظ ، وفهمه المخاطب أيضا كذلك ، وأنّ المعنى الفلاني ليس هكذا ، وإنّما أريد وفهم بمعونة القرينة الخارجة عن حاقّ اللفظ لا أن يحرز ذلك بالأمارات الظنيّة . فعلم أنّ الرجوع إلى قول اللغوي بعد تسليم الكبرى المذكورة أعني حجيّة قول الخبرة يبتني على إحراز مقدّمتين ، الأولى : كون اللغوي بصدد تميز الحقائق عن المجازات لا صرف موارد الاستعمال ، والثانية : كونه خبرة في معرفة الحقائق والمجازات لا متّكئا على الأمارات المعمولة . وأمّا لو كان الشكّ في مقام آخر وهو أنّ الانفهام والتبادر هل هو من حاقّ اللفظ أو من القرينة فحالهم في ذلك حالنا بلا فرق ، وليس لهم خبرويّة فيه أصلا ، و
أصول الفقه — صفحة 508 | الشيخ محمد علي الأراكي