تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
الابتلاء ، فالإناء الآخر مشكوك الطهارة والنجاسة ، فيشمله عموم دليل طهارة كلّ مشكوك . وأمّا وجه عدم الجريان عند ثبوت كلا الطرفين في محلّ الابتلاء هو لزوم المحذور العقلي ؛ فإنّه لو رخّص في ارتكاب كليهما بمقتضى الأصل يلزم الإذن في المخالفة القطعيّة ، فعدم الجريان ليس لعدم الموضوع ، بل لأجل المانع العقلي ، فكلّما ارتفع هذا المانع كان الأصل جاريا . ولهذا لو تعلّق العلم بالترخيص وكان مفاد الأصلين هو الإلزام كانا جاريين ، فلو علم بنجاسة الإنائين تفصيلا ثمّ علم بطروّ الطهارة على أحدهما إجمالا ، فاستصحاب النجاسة السابقة جار في كليهما ، فإنّه لا يلزم من ذلك مخالفة قطعيّة وإن كان مخالفة أحدهما للواقع معلوما ؛ فإنّ مجرّد ذلك بدون لزوم المخالفة العمليّة ليس بمانع عن جريان الأصل والتمسّك بعموم دليله . وبالجملة الموضوع للأصل هو الشكّ وإنّما لم يحكم به مع العلم الإجمالي لأجل المانع العقلي ، فعند خروج أحد الطرفين عن محلّ الابتلاء كان المانع مرتفعا ، فيكون الأصل جاريا ، لتحقّق موضوعه وفقدان المانع . وهذا بخلاف الأمارات ، فإنّ المعيار فيها ليس شكّ المكلّف حتّى يحكم فيها أيضا بذلك ، بل المعيار فيها هو الكاشفيّة النوعيّة عن الواقع ، ولا شكّ أنّ هذا المعيار يرتفع برأسه عند العلم الإجمالي ، فلا يبقى الكشف النوعي أصلا ، فيسقط عن الحجيّة لارتفاع موضوعه . ألا ترى أنّه لو قال المولى : أكرم العلماء ، وقال أيضا : لا تهن الفسّاق ، وعلم العبد إجمالا بخروج زيد العالم عن العموم الأوّل ، أو عمر الفاسق عن العموم الثاني فلا يبقى لهما بالنسبة إلى أحدهما ظهور ، بل يصير مجملا في كليهما ؟ . قلت : نعم في ما ذكرت من المثال ينتفي الكشف ويسقط بذلك عن الحجيّة ، ولكن حيث إنّ المتّبع في باب الظهورات بناء العقلاء في محاوراتهم ، فلا بدّ من الرجوع إليهم ، وإذا راجعناهم نرى أنّهم يفرقون بين أمثال هذا المثال وبين ما إذا
أصول الفقه — صفحة 501 | الشيخ محمد علي الأراكي