تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
الاحتجاج بأنّك : ألم تسمع مقالتي مع شريكك في التكليف ، فلم خالفت ؟ وهل له الجواب بأن يقول : كان وجهة كلامك وطرف خطابك عبدك الآخر ، فلا ارتباط لذاك الخطاب بي ؟ ومثال آخر أوضح : لو كان لك رفيقان ، فاتّفق اجتماعهما في بيت وأنت في بيت آخر تسمع كلامهما وتعرف شخصهما وهما غير شاعران بوجودك في البيت ، فأخذ أحدهما في غيبتك عند الآخر وذكر عيوبك له ، فإذا خلوت معه هل لك أن تقول له : أتذكر ما قلت فيّ عند فلان في المكان الفلاني وأنا كنت أسمع كلامك ولم تستشعر ، فلم قلت كذا وكذا في حقّي ، فهل له أن يجيبك معتذرا ومحتجّا بأنّي كنت اقاول مع غيرك فما ربطه بك ؟ فهذا هو الكلام في السيرة في المقامات الثلاث . وأمّا إمضاء الشرع ، فاعلم أنّ الأمر الذي صار مركوزا في أذهان العقلاء وكانوا مجبولين عليه ومفطورين وعجنوا به من أسلافهم فالعامّة لا يتفطّنون لخلافه ولا يدخل في ذهنهم غيره ولو احتمالا أو وهما « 1 » ، مثلا لو اتّخذ مولى خادما جديدا فلا يحتمل هذا الخادم ولا يخطر بباله أن يكون طريقة هذا المولى في المحاورة مخالفة لطريقة سائر الناس ، بل يعامل على حسب ما اجبل به من الأخذ بالظواهر من دون أن يكون خلافه محتملا له بل مشعورا به ، بل هو أمر مغفول عنه . نعم نادر قليل وأوحديّ من الناس بواسطة كثرة توغّله في الأفكار العلميّة والتخيّلات في الدرس والبحث يقع في ذهنه احتمال أنّه يمكن عدم رضى الشارع بهذا
هامش
( 1 ) - وبهذا يجاب عن الإشكال بأنّ غاية ما في الباب عدم ثبوت الردع من الشارع ، لكنّ الإمضاء أيضا غير ثابت ، فحيث إنّ المقام مقام الشكّ في الحجيّة ، والمرتكز عند العقلاء فيه أيضا عدم معاملة الحجّة فاللازم الحكم بعدمها . وحاصل الجواب أنّ الأمر الجبلّي للناس الذي يكون مغفولا عنه للعامّة ولا ينقدح احتمال خلافه إلّا لمن استأنس ذهنه بالدقائق العلميّة ، فهذا الأمر لو كان غير مرضي الشرع لوجب عليه إظهار الردع بالتنصيص وعدم الاكتفاء فيه بالعموم والإطلاق ، وحيث ما كان يقطع برضى الشارع هذه الطريقة ، فيصير هذا برهانا للأوحدي المحتمل ، منه قدّس سرّه .
أصول الفقه — صفحة 492 | الشيخ محمد علي الأراكي