الثاني أيضا ، وليس إلّا لأنّ العلم الإجمالي صار موجبا لتماميّة الحجّة على المكلّف .
ولا فرق في ذلك بين اقسام العلم الإجمالي من كون أصل الحكم الكلّي كحرمة الخمر معلوما وكان الشبهة في موضوعه كاشتباه الخمر بين الإنائين ، وكما لو علم بوجوب إكرام زيد واشتبه الزيد بين شخصين ، ومن كون الشبهة في أصل الحكم لتردّده بين حكمين في موضوعين ، كما لو علم أنّه إمّا يجب عليه الدعاء عند رؤية الهلال وإمّا يجب عليه الصلاة عند ذكر النبي صلّى اللّه عليه وآله ، مع اتحاد نوع التكليفين كهذا المثال ، ومع اختلافه كما لو علم بأنّه إمّا يجب عليه الدعاء عند الرؤية ، وإمّا يحرم عليه الخمر ، فإنّه في القسم الأخير الذي يكون الشكّ فيه في موضوع التكليف ونوع التكليف لو فرض كونهما محلّا لابتلائه ، كما لو كان عنده خمر ورأى الهلال فترك الدعاء وشرب الخمر ؛ فإنّه عند العقل فعل قبيحا بلا كلام ، وكذلك سائر الأقسام . هذا في المقام الأوّل .
وأمّا المقام الثاني فنقول : بعد البناء على كون العلم الإجمالي منجّزا لمتعلّقه في الجملة لا وجه للتفكيك بين حرمة المخالفة القطعيّة ووجوب الموافقة القطعية ، وذلك لأنّ ما يحكم به العقل هو أنّ المؤاخذة والعقاب بلا بيان وحجّة من قبل المولى على التكليف قبيح ، فيرفع بذلك احتمال العقاب على تقدير ثبوت التكليف واقعا أيضا ، كما هو الحال في الشبهة البدويّة في التكليف ، فإنّ الارتكاب يعلم بحكم العقل خلوّه عن الضرر وإن صادف الحرام الواقعي ، لعدم إمكان مؤاخذة المولى على هذا التقدير العبد بأنّه : لم ارتكبت ما حرّمته عليك ؛ إذ ليس له حجّة وبيان على هذا التكليف .
وهذا بخلاف المقام ؛ فإنّا قد فرضنا في المقام الأوّل صيرورة التكليف بواسطة تعلّق العلم الإجمالي به ذا حجّة وبيان ، بمعنى أنّه يكون للمولى أن يخاطب العالم بالعلم الإجمالي ويقول له : ما ذا فعلت مع أمري الفلاني أو نهيي ؟
كما يصحّ ذلك له بالنسبة إلى العالم بالعلم التفصيلي ، ولا يمكن أن يقال : إنّ هذا يكون للمولى في العالم الإجمالي بالنسبة إلى صورة المخالفة القطعيّة ، ولا يصحّ بالنسبة إلى
أصول الفقه — صفحة 411
مساهمون: الشيخ محمد علي الأراكي
ص٤١١