وعلى هذا فالتكليف بالوضوء غير متوجّه إلى جميع المكلّفين ، بل هم على صنفين ، فمنهم من لا يغترف ومنهم من يغترف ، فالتكليف به متوجّه إلى الصنف الثاني دون الأوّل ، ومن المعلوم أنّ التكليف بالوضوء بهذا الوجه لا يقتضي الاغتراف ولا عدمه ، بل المكلّف بالخيار ، فإن شاء اغترف حتّى يدخل في صنف من يغترف وإن شاء لم يغترف حتّى يدخل في الصنف الآخر .
ويمكن الخدشة فيه بأنّه لا شكّ في أنّ كون المكلّف متّصفا بالعنوان الانتزاعي أعني : كونه ممّن يغترف لا يوجب رفع التكليف عن منشأ الانتزاع أعني : نفس الاغتراف في حقّه ؛ ضرورة أنّه لم يسلب عنه في تلك الحال الاختيار بالنسبة إلى الاغتراف وعدمه ، وإنّما يسلب بعد حصول الاغتراف ، فقبله يكون التكليف بتركه ثابتا في حقّه على وجه الإطلاق ، ثمّ التكليف بالوضوء المفروض اشتراطه بالوصف الانتزاعي الحاصل بالفعل ثابت في عرض ذلك التكليف أيضا على وجه الإطلاق ؛ لحصول شرطه ، فيعود إشكال اجتماع الضدّين والتكليف بما لا يطاق .
نعم يمكن تصحيح الوضوء مع حرمة الاغتراف بدون التنافي على القول بالترتّب في باب تزاحم الواجبين الذين أحدهما أهمّ من الآخر ، والمراد بالترتّب تعلّق أمرين بشيئين لا يمكن جمعهما على وجه يكون أحدهما في طول الآخر بأن يتوجّه التكليف بالأهمّ على وجه الإطلاق ، وبغير الأهمّ على وجه الاشتراط بمخالفة التكليف الأوّل ، لا بمعني أن يكون التكليف الثاني ثابتا بعد ارتفاع التكليف الأوّل بعصيانه ، بل بمعنى اشتراطه بفرض مخالفة التكليف الأوّل .
مثلا من يتمكّن من إنقاذ أحد الغريقين من عالم وجاهل في خمس دقائق يتوجّه إليه التكليف بإنقاذ العالم في هذه الدقائق الخمس بلا شرط ، وبإنقاذ الجاهل في نفس هذه الدقائق أيضا مشروطا بفرض ترك إنقاذ العالم .
وكذا فيما نحن فيه يتوجّه التكليف بترك الاغتراف بلا شرط ، وبالوضوء مشروطا بفرض حصول الاغتراف ، وهذا من المواضع التي يكون الشرط فيها مقارنا للعمل كمثال العدو المتقدّم ، وعلى هذا فيرتفع التنافي من بين التكليفين بحيث
أصول الفقه — صفحة 144
مساهمون: الشيخ محمد علي الأراكي
ص١٤٤