الاختلاف في معنى العدالة في عصرهم أيضا ، فلو كان العدالة عندهم هي المرتبة النازلة لقيّدوا بها ، كأن يقولوا : فلان ثقة بهذا المعنى ، وفلان ثقة بذاك المعنى ؛ ولما أطلقوا مع الاختلاف ، لأنّ ذلك مناف لغرضهم الداعي إلى تدوين هذا العلم ؛ والقول بعدم الالتفات إلى الاختلاف مستبعد جدّا ، كما أنّ القول بالالتفات والإهمال أشدّ استبعادا منه لشدّة ورعهم .
وثالثا : إنّه يعلم من سجيّتهم أنّهم لم يوثّقوا إلّا من كان واجد المرتبة العالية ؛ فإنّ إبراهيم بن هاشم مع توصيفهم إيّاه ، ومدحهم له بأنّه أوّل من نشر أخبار الكوفة في قم ، مع أنّ القميّين كان شدّة صلاحهم إلى مرتبة كانوا يخرجون من بلدهم من يروي الأخبار النادرة الضعيفة مع وثاقته ، حتّى أنّ بعضا عدّ قبول القميّين كاشفا عن العدالة وقرينة ، لها لم يوثّقوه أرباب الرجال ؛ ونظائره كثيرة ؛ فعرفنا بهذه القرينة أنّ كلّ من وثّقوه هو واجد للمرتبة الأعلى .
والحاصل : أنّ مآل الجوابين الأخيرين إلى أنّ العدالة عند أرباب الرجال بمعنى الملكة ، ويدلّ على ذلك قرينتان : الأولى عدم التقييد ، والثانية عدم توثيق أمثال إبراهيم ابن هاشم .
ثمّ لا يخفى أنّ للأخباريّين في عدم الاحتياج إلى الرجال شكوكا آخر ، يظهر جوابها ممّا سمعت ، فلا نطيل الكلام ؛ وكذا لهم شكوك في عدم الاحتياج إلى علم الأصول ، وقد فضلوا أصحابنا رضوان اللّه عليهم أجوبتها وقلّبوها ظهر البطن .
ونقول مجملا : إنّ من شكوكهم أنّ علم الأصول بدعة ؛ والجواب عنه أنّ نصف الأصول مباحث الألفاظ ، ويتوقّف فهم الأخبار عليهما إمّا تقليدا أو اجتهادا ، ولا يمكن الفهم أبدا بدونها على أحد الطريقين ؛ ونصفه الآخر في حجّيّة الكتاب وسائر الأدلّة ، بمعنى أنّه يجب العمل بها أم لا ؟ وهذه أحكام شرعيّة .
غاية الأمر : أنّ الأخباري لا يقول بحجّيّة بعض منها وحرمة العمل بها ، والأصولي يخالفه في بعض ويوافقه في بعض ، والقول بعدم الحجّيّة من مسائل
الاجتهاد والتقليد — صفحة 132
مساهمون: الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
ص١٣٢