تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
ثم يعرف فيما حقّه الوصل موضع " الواو " من موضع " الفاء " ، وموضع " الفاء " من موضع " ثم " ، وموضع " أو " من موضع " أم " ، وموضع " لكن " من موضع " بل " . ويتصرّف في التعريف ، والتنكير ، والتقديم ، والتأخير ، في الكلام كله ، وفي الحذف ، والتكرار ، والإضمار ، والإظهار ، فيصيب بكلّ من ذلك مكانه ، ويستعلمه على الصّحة وعلى ما ينبغي له . هذا هو السبيل ، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا ، وخطؤه إن كان خطأ إلى " النظم " ، ويدخل تحت هذا الاسم ، إلّا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ، ووضع في حقه ، أو عومل بخلاف هذه المعاملة ، فأزيل عن موضعه ، واستعمل في غير ما ينبغي له ، فلا ترى كلاما قد وصف بصحّة نظم أو فساده ، أو وصف بمزيّة وفضل فيه ، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل ، إلى معاني النحو وأحكامه ، ووجدته يدخل في أصل من أصوله ، ويتّصل بباب من أبوابه . هذه جملة لا تزداد فيها نظرا ، إلا ازددت لها تصوّرا ، وازدادت عندك صحة ، وازددت بها ثقة . وليس من أحد تحرّكه لأن يقول في أمر " النظم " شيئا ، إلا وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها ، ووافق فيها درى ذلك أو لم يدر . ويكفيك أنّهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه حيث ذكروا فساد " النظم " ، فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق : [ من الطويل ]
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا * أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه " 1 "
وقول المتنبي : [ من الكامل ]
ولذا اسم أغطية العيون جفونها * من أنّها عمل السّيوف عوامل " 2 "
وقوله : [ من الكامل ]
الطّيب أنت إذا أصابك طيبه ، * والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل " 3 "
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه يمدح فيه هشام بن عبد الملك بن مروان أحد ملوك بني أمية ، وخاله الممدوح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي . انظر اللسان ( ملك ) ، ومعاهد التنصيص ( 1 / 43 ) ، وهو بلا نسبة في الخصائص ( 1 / 146 ، 329 ) ، ( 2 / 393 ) . ( 2 ) في ديوانه فانظره ، ضمير أنها للعيون ، أي : أنها تعمل عمل السيوف ، ولذا سميت أغطية العيون جفونا ، والجفون : أغماد السيوف ، أي : لأنها تعمل عمل السيوف . ( 3 ) في ديوانه ، والمعنى : إذا أصابك الطيب يتنشق طيبك لأنك أنت طيبة ، وإذا اغتسلت بالماء فأنت الغاسل له .