تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
و " غيرها إبلا وشاء " لم يكن شيئا . وذلك أنّ " إنّ " كانت السبب في أن حسن حذف الذي حذف من الخبر ، وأنها حاضنته ، والمترجم عنه ، والمتكفّل بشأنه . واعلم أن الذي قلنا في " إن " من أنها تدخل على الجملة ، من شأنها إذا هي أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى " الفاء " لا يطّرد في كلّ شيء وكلّ موضع ، بل يكون في موضع دون موضع ، وفي حال دون حال ، فإنك قد تراها قد دخلت على الجملة ليست هي مما يقتضي " الفاء " ، وذلك فيما لا يحصى كقوله تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
، وذاك أنّ قبله
إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
[ الدخان : 50 - 52 ] . ومعلوم أنك لو قلت : " إنّ هذا ما كنتم به تمترون ، فالمتقون في جنات وعيون " ، لم يكن كلاما وكذلك قوله :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
، لأنك لو قلت : "
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ
[ الأنبياء : 100 - 101 ] فالذين سبقت لهم منا الحسنى " ، لم تجد لإدخالك " الفاء " فيه وجها وكذلك قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ الحج : 17 ] ، " الذين آمنوا " اسم " إنّ " ، وما بعده معطوف عليه ، وقوله " إن اللّه يفصل بينهم يوم القيامة " ، جملة في موضع الخبر ، ودخول " الفاء " فيها محال ، لأن الخبر لا يعطف على المبتدأ ومثله سواء :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
[ الكهف : 30 ] . فإذا ، إنما يكون الذي ذكرنا في الجملة من حديث اقتضاء " الفاء " ، إذا كان مصدرها مصدر الكلام يصحّح به ما قبله ، يحتجّ له ، ويبيّن وجه الفائدة فيه . ألا ترى أن الغرض من قوله : إنّ ذاك النّجاح في التبكير جلّه أن يبيّن المعنى في قوله لصاحبيه : " بكّرا " ، وأن يحتجّ لنفسه في الأمر بالتبكير ، ويبيّن وجه الفائدة فيه ؟ وكذلك الحكم في الآي التي تلوناها فقوله :
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
، بيان للمعنى في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
، ولم أمروا بأن يتّقوا وكذلك قوله
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
، بيان للمعنى في أمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالصلاة ، أي بالدعاء لهم . وهذا سبيل كلّ ما أنت ترى فيه الجملة يحتاج فيها إلى " الفاء " ، فاعرف ذلك .