وإن أردت أن تزداد للأمر تبيّنا ، فانظر إلى بيت الفرزدق : [ من الكامل ]
يحمي إذا اخترط السّيوف نساءنا * ضرب تطير له السّواعد أرعل " 1 "
وإلى رونقه ومائه ، وإلى ما عليه من الطّلاوة . ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة وقل : " نحمي إذا اخترط السيوف نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل " ، ثم اسبر حالك ؟ هل ترى مما كنت تراه شيئا ؟
وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة ، ومادّة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان ، والاتساع في طرق البيان ، وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا ، وأن يضعه بعيد المرام ، قريبا من الأفهام . ولا يغرّنّك من أمره أنك ترى الرجل يقول : " أتى بي الشوق إلى لقائك ، وسار بي الحنين إلى رؤيتك ، وأقدمني بلدك حقّ لي على إنسان " ، وأشباه ذلك مما تجده لسعته وشهرته يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها ، فليس هو كذلك أبدا ، بل يدقّ ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق ، والكاتب البليغ ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها ، والنادر تأنق لها .
وجملة الأمر أن سبيله سبيل الضّرب الأول الذي هو مجاز في نفس اللفظ وذات الكلمة ، فكما أنّ من الاستعارة والتمثيل عاميّا مثل : " رأيت أسدا " و " وردت بحرا " ، و " شاهدت بدرا " ، و " سلّ من رأيه سيفا ماضيا " ، وخاصيّا لا يكمل له كلّ أحد ، مثل قوله :
وسالت بأعناق المطيّ الأباطح كذلك الأمر في هذا المجاز الحكميّ .
واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة ، مثل أنك تقول في :
رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
[ البقرة :
16 ] ، " ربحوا في تجارتهم " ، وفي " يحمي نساءنا ضرب " ، " نحمي نساءنا بضرب " فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء . ألا ترى أنّه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك :
" أقدمني بلدك حقّ لي على إنسان " ، فاعلا سوى الحق ، وكذلك لا تستطيع في قوله :
[ من مجزوء الوافر ]
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه ( 155 ) ( ط ) دار صادر ، بيروت ، وقبله :والمانعون إذا النساء ترادفت * حذر السباء جمالها لا ترحلأرعل : مسترخ مائل .