فإذا جاز هذا في الأصل فهو فيما ينوب أسوغ وأليق .
وأما قوله : إنهم لم ينطقوا في الكلام إلا بفعّل التي هي للتكثير لشرف الكلام عندهم ، فذلك هو الحجة في إطلاق لفظ الكلام وتكلّم على القليل الذي ليس بمفيد لما ذكره من الشرف والمبالغة .
وأما استدلاله على شرف الكلام عندهم بالأبيات التي ذكرها فمما يمكن إيراد مثله ، إلا أن ذكره :
ومما كانت الحكماء قالت * لسان المرء من خدم الفؤاد « 1 »
لا أعلم موقع الدلالة منه على شرف الكلام ، وهو بالدلالة على تشريف الفؤاد والوضع من اللسان بأنه خادمه أليق .
وأما قوله : إنهم يقولون للإنسان الذي يورد ما تقل فائدته : هذا ليس بكلام ، قلنا :
ذلك وأمثاله إنما يورد على سبيل الجواز والإسراف في المبالغة ، كما يقال للرجل البليد :
ليس بإنسان ، وللفرس البطيء : ليس بفرس ، لا أنّ ذلك على الحقيقة ، وهذا ممّا لا تدخل في مثله شبهة .
وأما قوله : إن العرب ، لشرف الكلام عندهم وأن القليل المفيد منه كثير ، يقولون :
قال فلان في كلمته ، يريدون القصيدة ، فذلك كله وأمثاله هو الوجه في اقتصارهم على لفظ التكثير في الكلام ، أفاد أو لم يفد ، دون الألفاظ التي لم توضع للتكثير .
وقد حدّ الكلام بحدود غير صحيحة ، كحد بعض النحويين له بأنه فعل المتكلم ، وذلك ينتقض بجميع أفعاله الحادثة منه في حال كلامه ، كالضرب وما أشبهه ، على أن من عقل كونه متكلما عقل الكلام ولم يحتج إلى حده ، وكذلك حد بعض المتكلمين له بأنّه ما أوجب كون المتكلم متكلما ، وقول غيره : ما يقوم بذات المتكلم ، لأن هذا كله فرع على عقل المتكلم وتحققه ، وذلك لا يتم إلا بعد المعرفة بالكلام ، وما يقوم
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص 31 .